لم تعد المنطقة العربية أمام مجرد خلافات سياسية أو صراعات عسكرية عادية، بل أصبحت أمام مرحلة شديدة الخطورة، تتصارع فيها القوى الكبرى على النفوذ والسيطرة ونهب الثروات وتدمير مقدرات الشعوب، بينما، للأسف الشديد، تظل الدول العربية والإسلامية في صمت رهيب تجاه ما يحدث في منطقة الخليج العربي.

فهناك تصعيد أمريكي وإسرائيلي ضد إيران، متمثل في التصريحات النارية بشأن ضرب منشآتها النووية والعسكرية والاقتصادية، ومن ناحية أخرى هناك تهديدات إيرانية تنذر بتوسيع دائرة المواجهة، ولا يمكن تجاهل خطورتها على أمن دول الخليج والمنطقة العربية ككل، سواء من خلال التهديدات المباشرة أو من خلال الفصائل المسلحة التابعة لها، التي تتحرك في أكثر من ساحة عربية.

ومن السيناريوهات المحتملة من وجهة نظري، والتي يجب الحذر منها ولا يمكن تجاهلها، انتقال المواجهة من استهداف دول الجوار عبر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة على المنشآت الحيوية والاقتصادية، إلى محاولات إرباك الأنظمة واستنزاف القدرات العسكرية والأمنية وإضعاف الجبهات الداخلية، وربما يتطور الأمر إلى احتمالات مواجهات عسكرية مباشرة، وصولًا إلى احتمالات التدخل البري في بعض دول الجوار.
ولا أقول إن هذا التحليل وهذه الرؤية أمر محسوم بالضرورة، ولكن في ظل التصعيد القائم والمخططات التي أصبحت شبه واضحة تظل كل الاحتمالات واردة، وهو ما يستوجب الاستعداد والحذر وعدم الاستهانة بأي تهديد يمس أمن الدول العربية، مهما كانت احتمالات وقوعه.

فدول الخليج ليست كما كانت في السابق مجرد مناطق نفطية أو أسواق اقتصادية مهمة، بل أصبحت تمتلك قدرات مالية وتكنولوجية وصناعية وعسكرية متنامية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي قطعت خطوات مهمة في بناء اقتصاد قوي ومتنوع، كما عملت على تطوير الصناعات الوطنية، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز قدراتها الدفاعية والأمنية والعسكرية، إلى جانب تحركاتها السياسية والإقليمية وبناء علاقات وتحالفات جديدة.

وهذا هو بيت القصيد؛ فقد أصبحت النهضة العربية، وما تحمله من طموحات في الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، تتعارض مع مصالح بعض القوى التي اعتادت أن تظل المنطقة العربية تابعة لها في قراراتها الاقتصادية والسياسية،

وهنا يظهر السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة: هل الحروب الدائرة في المنطقة هي فعلًا من أجل القضاء على البرنامج النووي الإيراني كما هو معلن، أم أنها حروب مصطنعة لتدمير القدرات والنهضة العربية التي أصبحت مصدر قلق لبعض القوى الكبرى التي لا ترغب في رؤية دول المنطقة تمتلك قرارها وقدراتها المستقلة، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية ودول الخليج وغيرها من الدول العربية المستقرة،، وما حدث في العراق وليبيا وسوريا من حروب وتدخلات وخراب ودمار ليس عنا ببعيد.

ولذلك فإنني أرى أن الخطر الأكبر هو أن يجد العرب أنفسهم بين مطرقة التهديدات الإيرانية وسندان الأطماع الصهيونية الأمريكية والتدخلات الدولية، دون امتلاك موقف عربي موحد يحمي مصالحهم ويمنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للحروب والدمار الشامل.

والأمر الغريب، بل الأكثر غرابة، هو الغياب غير المبرر لبعض الدول العربية والإسلامية والدول الكبرى ذات المصالح المشتركة، مثل روسيا والصين وغيرهما، تجاه ما يحدث في المنطقة العربية من تدخلات واعتداءات وحروب.

فأين جامعة الدول العربية ودورها الفاعل في المصالحة، وأين معاهدة الدفاع العربي المشترك،
وأين منظمة التعاون الإسلامي، وأين المواقف التي تعبر عن الحد الأدنى من التضامن بين الدول العربية والإسلامية والدول الصديقة،،

كلها أسئلة يفرضها الواقع المرير، وتنتظر الشعوب العربية والإسلامية والشعوب الحرة إجابات واضحة وفورية عنها من الجهات المعنية.

لقد أصبح غياب الموقف العربي الجماعي الفاعل في مثل هذه اللحظات الحرجة أمراً مؤلماً ، ولا يمكن تبريره مهما كانت الخلافات السياسية أو اختلاف المصالح والحسابات الخاصة بكل دولة.

فهناك فرق كبير بين اختلاف الدول في سياساتها ومصالحها، وبين أن تتخلى عن مسؤوليتها تجاه أمن الأشقاء ومصير الأمة.

وأقولها بكل صراحة ووضوح: إن صمت بعض الدول العربية تجاه ما يحدث من تهديدات لأمن المنطقة، وترك الأشقاء يواجهون الأخطار وحدهم، هو خذلان للمسؤولية، وأراه خيانة لمعنى الأخوة والتضامن العربي، مهما كانت المبررات والحسابات.

إنني، ومعي كثيرون من أبناء الشعوب العربية، لا ندعو ولا نطالب الدول العربية بالدخول في حروب شاملة، أو أن تتخذ قرارات عسكرية غير محسوبة، ولكننا نطالب بموقف عربي واضح، وتحرك دبلوماسي جاد وحازم، وتنسيق أمني وسياسي واقتصادي صريح، ووضع خطة مشتركة لحماية المنشآت الحيوية وتأمين الممرات البحرية ومواجهة أي تهديد يمس سيادة الدول العربية.

كما أن غياب التحرك الدولي الفاعل والغير متناسب مع حجم المخاطر التي تتعرض لها المنطقة يثير الشك والريبة، ويعزز المخاوف من وجود مؤامرة كبرى تُحاك ضد الدول العربية الكبرى والمستقرة، التي تمثل صمام الأمان والاستقرار للمنطقة بأكملها.

والأمر اللافت أن هناك مصالح مهمة لعدد من الدول الكبرى، وعلى رأسها روسيا والصين والهند واليابان، وعدد كبير من الدول الأوروبية، إن لم يكن جميعها، ترتبط ارتباطاً مباشراً بأمن واستقرار دول الخليج ومنشآت الطاقة والممرات البحرية. فلماذا لا نرى منها تحركاً دولياً يتناسب مع حجم المخاطر التي تهدد الجميع،

إننا لا نطالب هذه الدول بأن تتبنى مواقفنا وتدافع عن الدول العربية وأمن المنطقة واستقرارها، ولكننا نتساءل عن مسؤوليتها في التحرك الجاد لمنع اتساع الحروب، ووقف الاعتداءات، واحترام سيادة الدول طبقًا للقانون والأعراف الدولية،

إننا لا نريد حروبآ في المنطقة، ولا نريد أن تُراق دماء الأبرياء في أي مكان، ولا نريد أن تتحول الخلافات السياسية والطائفية والعرقية إلى وقود لصراعات وحروب لا تنتهي. نريد منطقة آمنة مستقرة، يكون فيها الحوار والمصالح المشتركة واحترام سيادة الدول هو الأساس في العلاقات بين الأشقاء.

إن المرحلة الحالية تحتاج إلى تكاتف عربي حقيقي، وإلى أن يدرك العرب أن أمنهم واحد، وأن مصالحهم مترابطة، وأن خلافاتهم مهما بلغت لا تبرر التفريط في مصيرهم المشترك.
فهل يتحرك العرب قبل فوات الأوان، أم أنهم ينتظرون حتى يصبح الخطر على أبواب الجميع،،

حفظ الله الوطن، وتحيا مصر، وتحيا المملكة العربية السعودية، وتحيا الأمة العربية بوحدتها وتضامنها دائمًا وأبدًا، رغم أنف المفسدين والحاقدين والمتربصين أعداء الأمة والإنسانية.

Loading