لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للتواصل أو الترفيه، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مصدر رئيسي للحصول على المعلومات الصحية والطبية، وأصبح كثير من المواطنين يلجأون إلى «فيسبوك» و«تيك توك» و«يوتيوب» بحثًا عن تشخيص للأعراض أو علاج للأمراض أو حتى أسماء أدوية وجرعات محددة.
ومع اتساع هذه الظاهرة، برزت مشكلة أكثر خطورة، تتمثل في انتشار محتوى طبي يقدم وصفات علاجية مباشرة للجمهور، أحيانًا من أشخاص غير متخصصين، وأحيانًا من أصحاب صفحات تحمل صفة طبية دون أن يكون من السهل على المواطن التأكد من حقيقة مؤهلات صاحبها.
وتزداد الخطورة عندما تتحول المعلومة العامة إلى روشتة علاجية مكتملة؛ اسم دواء، وجرعة، وعدد مرات الاستخدام، ومدة العلاج، دون كشف طبي أو معرفة التاريخ المرضي للمريض أو الأدوية الأخرى التي يتناولها.
وتحذر الجهات الرقابية من هذا النوع من المحتوى، فيما أكدت هيئة الدواء المصرية أن الرقابة تشمل المواد التسويقية والإعلانية المتعلقة بالمستحضرات الطبية حتى عندما تكون منشورة إلكترونيًا أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي. كما أطلقت الهيئة مؤخرًا قائمة للإعلانات المخالفة بهدف تعريف الجمهور بالمحتوى غير المصرح به والمضلل.
أين تبدأ المسؤولية القانونية؟
المسؤولية القانونية لا يمكن تحديدها من مجرد وجود منشور طبي، وإنما تختلف بحسب طبيعة المحتوى، وهوية ناشره، وهل هو طبيب مرخص أم شخص ينتحل الصفة، وهل المنشور توعوي أم إعلاني، وهل يتضمن ترويجًا لمنتج طبي أو دواء، وهل نتج عنه ضرر للمريض.
وفي مصر يوجد قانون تنظيم الإعلان عن المنتجات والخدمات الصحية رقم 206 لسنة 2017، كما توجد تشريعات تنظم ممارسة مهنة الطب وغيرها من المهن الصحية.
كما أن هيئة الدواء المصرية تختص برقابة مواد التسويق والإعلان الخاصة بالمستحضرات الطبية، بما في ذلك ما ينشر عبر المواقع الإلكترونية والمنصات والتطبيقات وصفحات التواصل الاجتماعي، وتتيح للمواطنين الإبلاغ عن المواد الدعائية غير الملائمة.
وبالتالي، فإن نشر وصفة علاجية على السوشيال ميديا لا يعني تلقائيًا أن صاحبها ارتكب جريمة، لكن طبيعة المنشور والسياق والصفة المهنية والهدف منه والضرر الناتج عنه كلها عناصر مهمة في تحديد المسؤولية.
أما إذا كان الشخص ينتحل صفة طبيب أو صيدلي، أو يروج لدواء أو منتج غير مرخص، أو يقدم إعلانًا مضللًا، أو تسبب محتواه في ضرر للمريض، فقد تتعدد أوجه المسؤولية وفق القانون والوقائع التي تثبتها الجهات المختصة.
هل أصبح المريض يجرب وصفات الإنترنت؟
يرى الدكتور سامح علي، طبيب الأطفال، أن المشكلة الأساسية لا تكمن في استخدام الإنترنت للحصول على المعلومة الطبية، وإنما في تحول الإنترنت من وسيلة للتوعية إلى بديل عن الطبيب.
وتابع علي، إن المريض عندما يشاهد مقطعًا قصيرًا يتحدث عن أعراض معينة، قد يعتقد أن حالته مطابقة تمامًا للحالة التي يتحدث عنها صاحب المحتوى، فيبدأ في استخدام الدواء أو الوصفة نفسها، رغم أن التشخيص الطبي لا يعتمد على عرض واحد أو مجموعة أعراض مكتوبة على شاشة الهاتف.
ويضيف علي، أن الأمر يصبح أكثر حساسية في حالات الأطفال، لأن الجرعات في كثير من الأحيان ترتبط بعمر الطفل ووزنه وحالته الصحية ووظائف الكبد والكلى والأدوية الأخرى التي يحصل عليها، وبالتالي فإن نقل وصفة من طفل إلى آخر قد يؤدي إلى نتائج خطيرة.
ويشير علي، أن بعض الأعراض قد تكون متشابهة بين أمراض مختلفة، بينما يختلف العلاج جذريًا من حالة إلى أخرى، ولذلك فإن الوصفة التي نجحت مع شخص ليست بالضرورة مناسبة لشخص آخر.
ويؤكد علي، أن دور الطبيب لا يقتصر على كتابة اسم الدواء، وإنما يبدأ بالتاريخ المرضي والفحص والتشخيص وتحديد ما إذا كان المريض يحتاج إلى دواء من الأساس.
المشكلة ليست في التكنولوجيا وإنما في غياب الرقابة
ويحذر محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، من اتساع دائرة المحتوى الطبي غير المنضبط على الإنترنت، مؤكدًا في تصريحات منشورة أن الإعلانات والوصفات الطبية المضللة أصبحت تمثل خطرًا مباشرًا على صحة المواطنين، وأن هناك محتويات يتم تداولها دون الموافقات المطلوبة.
ويرى فؤاد، أن القضية لا تتعلق فقط بالطبيب الذي يظهر على الشاشة، وإنما تشمل أيضًا الأشخاص الذين ينتحلون صفة الطبيب أو الصيدلي ويقدمون للمواطنين نصائح علاجية أو يروجون لأدوية ومستحضرات مجهولة المصدر.
وسبق للمركز المصري للحق في الدواء أن طالب بوقف الإعلانات والوصفات الطبية والترويج للأدوية عبر منصات التواصل، مشيرًا إلى رصد محتويات طبية منشورة دون الموافقات المطلوبة، وإلى وجود حالات لأشخاص غير مقيدين بالنقابات المهنية يقدمون أنفسهم للجمهور باعتبارهم أطباء أو صيادلة.
ويؤكد فؤاد أن المطلوب ليس منع الأطباء من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما وضع فارق واضح بين التوعية الطبية المشروعة وبين تقديم وصفات أو إعلانات علاجية للجمهور دون رقابة.
![]()
