مقال بقلم /ديانا نصار
حين يعلم الأب ابنته كيف تحمي نفسها وتصون كرامتها وعزتها
ليس أعظم ما يقدمه الأب لابنته أن يوفر لها حياة مريحة أو يحقق لها كل ما تتمناه
ويمنحها مال وجاه وسلطان بل أن يربي داخلها إنسانة تعرف قيمة نفسها وقدرتها وتدرك حدودها وتحسن الاختيار ولا تسمح لأحد أن ينتقص من كرامتها تحت أي مسمى.
فالابنة التي تنشأ على الحب والاحترام والثقة لا تحتاج إلى الخوف حتى تستقيم حياتها بل تحتاج إلى أب يكون لها قدوة وملاذا آمنا ومرشدا تلجأ إليه عندما تختلط عليها الأمور.
وتتوه بهذه الدنيا الكبيرة الواسعة
إن دور الأب في حياة ابنته لا يقتصر على حمايتها من مخاطر الحياة بل يمتد إلى تعليمها كيف تحمي نفسها بنفسها وكيف تميز بين من يحبها بصدق ومن يحاول استغلال مشاعرها وكيانها وجمالها
وكيف تفهم أن الاهتمام الحقيقي لا يكون بالكلام الجميل وحده بل بالمواقف والاحترام وتحمل المسؤولية.
يا أبي… علّم ابنتك أن جمالها الحقيقي لا يختصر في مظهرها وأن قيمتها لا تتوقف على إعجاب الآخرين بها.
علّمها أن جسدها له حرمة وأن خصوصيتها حق لا يحق لأحد انتهاكه وأن من يحبها حقا لن يضغط عليها لتفعل ما لا تريده ولن يجعلها تشعر بالذنب لأنها تمسكت بمبادئها وتقاليدها
أو رفضت أمرا لا يناسبها.
علّمها ألا تمنح ثقتها لأي شخص لمجرد أنه أحسن الحديث أو أغدق عليها الوعود، وأن الكلمات المعسولة لا تكفي للحكم على صدق المشاعر. فبعض الأشخاص يجيدون رسم الأحلام بينما تخفي تصرفاتهم حقيقة مختلفة تماما.
علّمها أن الحب لا يعني التنازل عن الكرامة، والكبرياء
وأن العلاقة التي تقوم على التهديد أو الابتزاز أو الإهانة ليست علاقة صحية، مهما حاول صاحبها أن يبرر تصرفاته باسم الغيرة أو التعلق.
ولا تجعل خوفك عليها يتحول إلى قيود تخنق شخصيتها أو تمنعها من التعبير عن نفسها. فالحماية الحقيقية لا تعني أن تراقب كل خطوة تخطوها بل أن تمنحها الوعي الذي يساعدها على اتخاذ القرارات الصحيحة حتى عندما لا تكون بجانبها.
يا أبي… كن الشخص الذي تستطيع ابنتك أن تخبره بالحقيقة دون أن ترتجف خوفا من رد فعلك.
فقد تتعرض ابنتك لموقف محرج أو تخطئ في تقدير شخص ما أو تجد نفسها في مشكلة لا تعرف كيف تخرج منها. وفي تلك اللحظة لن تحتاج إلى محاضرة قاسية بقدر حاجتها إلى أب يسمعها ويفهمها ويساعدها على تصحيح المسار.
إن الفتاة التي تخشى رد فعل أسرتها قد تخفي عنها ما تتعرض له، أما الفتاة التي تجد الأمان في بيتها فتعرف أن بإمكانها العودة إلى أبيها مهما تعقدت الأمور.
ازرع في قلبها الثقة بنفسها، وعلّمها ألا تقبل الإهانة حتى لا تخسر شخصا تحبه، وألا تفرط في تعليمها أو مستقبلها أو استقلالها من أجل وعود غير مضمونة. وشجعها على أن تكون صاحبة شخصية قوية وعقل واع وقدرة على تحمل المسؤولية.
ولا تنس أن ابنتك تتعلم من أفعالك أكثر مما تتعلم من نصائحك. فإذا أردتها أن تعرف معنى الاحترام فاحترم أمها، وإذا أردتها أن ترفض العنف فلا تمارسه أمامها، وإذا أردتها أن تثق بنفسها فلا تجعلها تشعر بأنها أقل من غيرها.
فالأب الذي يحترم المرأة في بيته يزرع في ابنته صورة واضحة عن الاحترام الذي تستحقه في حياتها.
ومن المهم أيضا أن تفهم الابنة أن الحفاظ على نفسها لا يعني الشك في الجميع أو الخوف من الحياة، بل يعني أن تتعامل بوعي، وتحترم خصوصيتها، وتحافظ على حدودها، وتطلب المساعدة عندما تشعر بالتهديد، وألا تسمح لأحد باستغلال حاجتها إلى الحب أو الاهتمام.
فالابنة ليست بحاجة إلى أب يخيفها من العالم بقدر حاجتها إلى أب يعدها لمواجهته.
وحين تكبر وتصبح قادرة على اتخاذ قراراتها، ستظل كلماته الصادقة حاضرة في عقلها، وستتذكر أنه لم يربها لتكون خائفة من الناس، بل لتكون واعية في التعامل معهم، ولم يطلب منها أن تكون مثالية، بل أن تتعلم من أخطائها وتحافظ على كرامتها.
وفي النهاية، تبقى مسؤولية الأب أعمق من مجرد إصدار الأوامر أو وضع القواعد؛ إنها مسؤولية بناء إنسانة تعرف حقها وواجبها، وتفرق بين الحب والتملك، وبين النصيحة والسيطرة، وبين الحرية والاستهتار.
إلى كل أب لديه ابنة: لا تجعلها تعرف قيمتها بعد أن يهينها أحد، بل علّمها قيمتها منذ البداية. ولا تنتظر حتى تقع في مشكلة لتحدثها عن الأمان، بل افتح معها أبواب الحوار قبل أن تحتاج إليك في لحظة خوف.
فالأب الحقيقي لا يحمي ابنته طوال عمرها من كل ما قد تواجهه، لكنه يمنحها من الحب والوعي والثقة ما يساعدها على حماية نفسها، ويظل قلبه وبيته المكان الذي تعرف أنها تستطيع العودة إليه مهما حدث.
فالابنة التي تنشأ في بيت يمنحها الحب والوعي والاحترام، تحمل من أبيها درعا لا يُرى، لكنه يرافقها أينما ذهبت.
![]()
