كتب: هاني صيام
……
أخطر ما يمكن أن يصيب المسرح ليس نقص الإمكانات، ولا قلة الميزانيات، ولا حتى ندرة المواهب؛ وإنما أن يتولى إدارة العمل الفني من لا يفهم طبيعة الفن، ولا يدرك خصوصية المسرح، ولا يملك من أدواته إلا المسمى الوظيفي.
فالمسرح ليس مكتباً تُدار شؤونه بالملفات، ولا مصنعاً تُقاس نتائجه بعدد الأوراق الموقعة، ولا مؤسسةً تُختزل فيها الكفاءة في تنفيذ التعليمات. المسرح روح، وفكر، وخيال، وتجربة إنسانية تحتاج إلى من يفهمها قبل أن يحاول إدارتها.
والمشكلة تبدأ حين تتحول الإدارة إلى سلطة فنية؛ فيصبح المسؤول عن المسرح، بدلاً من أن يكون راعياً للمواهب وميسراً للعمل، حارساً على الأبواب، ومفتشاً عن الأخطاء، وصاحب الكلمة الأخيرة في أمور تحتاج إلى أهل الاختصاص.
وهنا تظهر البيروقراطية بكل ثقلها.
تصبح الفكرة الجيدة بحاجة إلى سلسلة من الموافقات، والمبادرة الإبداعية مشروعاً يحتاج إلى تبرير، والاجتهاد مخاطرة، والاختلاف في الرأي نوعاً من التمرد. ويصبح السؤال الأهم ليس: ماذا يمكن أن نقدم للجمهور؟ وإنما: هل هذا مسموح؟ وهل يتوافق مع التعليمات؟ ومن صاحب القرار؟
والأكثر إيلاماً أن يتحول الترصد للمرؤوسين إلى أسلوب دائم في الإدارة؛ فيصبح المسؤول منشغلاً بتتبع الهفوات أكثر من متابعته لجودة العمل، وبالبحث عن الأخطاء أكثر من بحثه عن المواهب، وبحساب المواقف الشخصية أكثر من حسابه لنجاح العرض.
وهنا يفقد المرؤوس إحساسه بالأمان المهني. يبدأ في العمل وهو يفكر في كيفية تجنب الخطأ، لا في كيفية صناعة الإبداع. ويصبح الصمت أكثر أماناً من الاقتراح، والمجاملة أكثر راحة من المصارحة، وتنفيذ التعليمات أكثر أماناً من تقديم فكرة جديدة.
وهكذا يتحول الفنان من إنسان جاء ليبدع إلى موظف يقضي جزءاً كبيراً من طاقته في مقاومة الروتين والدفاع عن نفسه.
والأخطر من ذلك أن بعض القيادات المسرحية قد تتعامل مع الفنان بمنطق السلطة لا بمنطق الشراكة؛ فتنسى أن من يقف على الخشبة، أو يكتب النص، أو يخرج العرض، أو يصمم الديكور، أو يدير الإضاءة، يحمل خبرة لا تمنحها ورقة إدارية ولا منصب وظيفي.
ليس عيباً أن يكون المسؤول إدارياً، لكن العيب أن يتعامل مع الإدارة باعتبارها تفويضاً لإصدار الأحكام الفنية دون معرفة أو خبرة. وليس عيباً أن تكون هناك لوائح ونظم، فالعمل المؤسسي يحتاج إليها، لكن العيب أن تتحول اللوائح إلى جدار يفصل الفنان عن الإبداع.
….
وكلمتي الى اقراني المسرحيين :
دوركم ليس قهر المواهب، بل اكتشافها ودعمها. فالموهبة لا تنمو بالخوف، والإبداع لا يولد تحت الضغط.
قرّبوا الطلاب من المسرح بالحب، واجعلوا البروڤة مساحة للتجربة والثقة، وعلّموهم أن المسرح ليس حفظاً للنصوص فقط، بل فنٌّ ووعيٌ وجمال.
ازرعوا فيهم حب المسرح أولاً، وسيتعلمون بعد ذلك كيف يصنعون إبداعه.
البيروقراطية حين تدخل المسرح من باب التنظيم، يجب ألا تخرج منه وهي تحمل مفتاح الإبداع.
فالإدارة الجيدة هي التي تنظم دون أن تخنق، وتوجه دون أن تتسلط، وتحاسب دون أن تحبط، وتختلف مع الفنان دون أن تهدم ثقته بنفسه.
أما حين يشعر الفنان أن هناك من يترصد له، وينتظر عثرته، ويحصي عليه أخطاءه، ويتعامل مع كل مبادرة باعتبارها فرصة جديدة للمحاسبة، فهنا يبدأ الإبداع في الانسحاب بهدوء.
وقد لا نسمع صوت الباب وهو يُغلق، لكننا نكتشف بعد فترة أن أصحاب المواهب توقفوا عن المشاركة، وأن الأفكار الجديدة اختفت، وأن المسرح أصبح يؤدي وظيفته شكلياً، بينما روحه غائبة.
وهنا يجب أن نسأل بصراحة: هل نريد مسرحاً يملأ الخانات في التقارير، أم مسرحاً يملأ قلوب الجمهور؟
إن إنقاذ المسرح من هذه الدائرة لا يحتاج إلى صراع أشخاص، ولا إلى تصفية حسابات، وإنما يحتاج إلى تصحيح مفهوم القيادة الفنية.
نحتاج إلى أن يكون المسؤول عن النشاط المسرحي مؤمناً بأن دوره الأول هو اكتشاف الموهبة ورعايتها، وأن يحترم أهل الخبرة، وأن يستمع إلى الفنان قبل أن يصدر الحكم عليه، وأن يعرف أن نجاح المرؤوسين ليس تهديداً لمكانته، بل هو الدليل الحقيقي على نجاحه هو.
فالقيادة الفنية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأوامر التي يصدرها المسؤول، وإنما بعدد المواهب التي استطاع أن يفتح لها الطريق.
ولا تُقاس بمدى خوف العاملين منه، وإنما بمدى ثقتهم فيه.
ولا تُقاس بقدرته على إيقاف الأفكار، وإنما بقدرته على تحويل الأفكار إلى أعمال ناجحة.
المسرح في حاجة إلى قيادة تعرف أن السلطة وسيلة وليست غاية، وأن المنصب عابر، بينما أثر الإنسان فيمن يعملون معه قد يبقى سنوات.
فليكن لدينا نظام، نعم.
ولتكن لدينا لوائح، بالتأكيد.
ولتكن هناك محاسبة وانضباط، بلا شك.
لكن ليكن فوق كل ذلك احترام للفن وللفنان.
لأن المسرح الذي يُدار بالخوف قد يستمر على الورق، لكنه لا يستطيع أن يصنع إبداعاً.
وحين يجلس من لا يفهم لغة المسرح على كرسيّ الفن، وتتحول مهمته من دعم المرؤوسين إلى الترصد لهم، ومن احتضان المواهب إلى إحباطها، تصبح الخشبة أول من يدفع الثمن.
أما حين يجلس على هذا الكرسي من يفهم الفن ويحترم الفنان ويؤمن بأن الإدارة خدمة للإبداع، فهناك فقط يمكن للمسرح أن يستعيد صوته…
وتعود الخشبة إلى الحياة.
![]()
