لم يعد الشرق الأوسط يحتمل مزيداً من الحروب والصراعات المفتوحة أو محاولات فرض الإرادة بالقوة، فقد دفعت شعوب المنطقة، على مدار سنوات طويلة، ثمناً باهظاً لصراعات لم تكن طرفاً حقيقياً في كثير منها،

ولذلك أصبح الشرق الأوسط أمام لحظة تاريخية شديدة الحساسية والخطورة؛ فإما أن تستمر المنطقة أسيرة لمنطق القوة والنفوذ والهيمنة وتصفية الحسابات، وإما أن تبدأ مرحلة جديدة عنوانها المصالحة والتهدئة واحترام سيادة الدول والتعاون المشترك.

وهنا يجب أن نقولها بكل صراحة ووضوح: لا يمكن بناء سلام حقيقي في المنطقة بينما تستمر سياسات القوة والسيطرة والتدخل وفرض الأمر الواقع، دون موقف عربي موحد وقوي يرفض ازدواجية المعايير، ويحمي مصالح الدول العربية، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
وعلى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وأعوانهم أن يدركوا جيدا أن الأمن والسلام الحقيقي لا يمكن أن يقوما على استمرار الصراعات وفرض السيطرة بالقوة العسكرية وحدها، وأن استمرار الصراعات لن يصنع إلا مزيداً من التوتر والمقاومة وعدم الإستقرار،

ولا يمكن أن يكتمل الحديث عن السلام والاستقرار في الشرق الأوسط دون التوقف أمام القضية الفلسطينية، باعتبارها أم القضايا في المنطقة، وأن استمرار معاناة الشعب الفلسطيني، يمثل أحد أهم مصادر التوتر وعدم الاستقرار. ولذلك لابد أن تسعى كافة دول المنطقة والعالم إلى الضغط علي الجانب الإسرائيلي لإيجاد حل سياسي عادل وشامل يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، ويحقق الأمن والسلام والاستقرار لجميع شعوب المنطقة.
وعلى إيران أيضا مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية، بأن تتعامل برشد وبعقلانية وحكمة مع دول الجوار. فكما نرفض أي تدخل خارجي في شؤون الدول العربية، فإننا نرفض كذلك أي تدخل إيراني في الشؤون الداخلية للدول العربية، أو استخدام حلفاء لتحقيق نفوذ سياسي وعسكري على حساب سيادة الدول واستقرارها.
وإذا كانت إيران تريد فتح صفحة جديدة مع دول المنطقة، فإن الطريق واضح وصريح: احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام حسن الجوار، والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع،
فالمنطقة العربية لا تحتاج إلى حروب جديدة بين إيران ودول الجوار، ولا إلى مواجهة شاملة تمتد نيرانها إلى بقية دول الشرق الأوسط، وإنما تحتاج إلى مصالحة حقيقية وشاملة بين إيران ودول الجوار ، وإلى حوار إقليمي واسع يشارك فيه الجميع دون إقصاء،

ويجب ألا تكون هذه المصالحة مجرد هدنة مؤقتة، وإنما لابد أن يكون مشروعاً إقليمياً دائماً يقوم على احترام السيادة وعدم التدخل وحماية الممرات البحرية والتعاون الاقتصادي وتسوية الخلافات بالحوار،
فإذا استطاعت دول الجوار العربي وإيران بناء قواعد واضحة للتعايش السلمي والتعاون المشترك واحترام السيادة وعدم الاعتداء، فإن كثيراً من ذرائع وأسباب التصعيد سوف تتراجع، وسيفقد أصحاب المصالح ودعاة الحروب جزءا كبيراً من أدواتهم ونفوذهم.
فالمنطقة التي تحل خلافاتها بنفسها، يصعب على الآخرين استخدامها لتحقيق مصالحهم.

ونحن هنا لا نتجاهل المخاوف الأمنية والخلافات الحقيقية بين إيران وبعض الدول العربية، ولكننا نقول إن المواجهة تكون بالسعي للتهدئة والمصالحة، والحوار الجاد والمباشر، وعقد اتفاقيات تضمن الاحترام المتبادل لسيادة الدول وتضع قواعد واضحة للأمن والتعاون وحسن الجوار.

فليس من المعقول أن يكون البديل عن النفوذ الإيراني هو نفوذاً آخر لقوى خارجية، لها هي الأخرى مصالحها وحساباتها وأهدافها التوسعية للسيطرة على مقدرات الشعوب،

نحن لا نريد شرق أوسط تابعآ لإيران، ولا شرق أوسط تابعآ للولايات المتحدة الأمريكية أو دول الغرب، وإنما نريد شرق أوسط يمتلك قراره، وتحترم فيه كل دولة سيادة الأخرى،
وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن نتحدث عن إستقرار المنطقة ومستقبلها، بينما ما زالت الحروب والصراعات الداخلية في اليمن وليبيا والسودان وسوريا ولبنان وغيرها من دول المنطقة مستمرة.

فماذا ينتظر المجتمع العربي والدولي أكثر من ذلك لوضع حد لهذه المآسي،
لقد آن الأوان لتحرك عربي وإسلامي ودولي واسع لا يكتفي بإصدار بيانات الشجب والإدانة وانما يعمل بشكل عاجل على صناعة حلول سياسية حقيقية وشاملة، تضمن مشاركة كافة الأطراف التي تقبل بالحل السلمي، وتحافظ على وحدة الدول وسيادة مؤسساتها.
نحن بحاجة إلى مصالحة وطنية شاملة في اليمن وليبيا والسودان وسوريا ولبنان، وكل دولة عربية أنهكتها الانقسامات والفتن والحروب والتدخلات الخارجية.

وأما من يرفض السلام ويصر على إشعال نيران الفتنة واستمرار الحروب، فلا ينبغي أن يُترك دون موقف رادع وحاسم، وهنا يجب أن تكون هناك إرادة عربية ودولية موحدة للضغط السياسي والاقتصادي والعسكري إذا تطلب الأمر من أجل وقف الحرب والالتزام بالتسويات؛ لأن السلام لا يمكن أن ينجح في ظل استمرار تحويل الخلافات السياسية والعرقية والدينية إلى صراعات مسلحة وانقسامات تهدد وحدة الدول.
لقد حان الوقت لكي تنتقل المنطقة من سياسة إدارة الأزمات إلى صناعة السلام الشامل والعادل.
فالمصالحة الوطنية والتهدئة ليست ضعفآ كما يصورها البعض من أصحاب الفكر العقيم المتجمد وإنما قد تكونان في كثير من الأحيان أعلى درجات القوة والشموخ،

إن دول الشرق الأوسط فى ظل الظروف الراهنة أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقات على أسس جديدة، تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون المشترك، بما يضمن مصالح الشعوب واستقرار الدول.

وبذلك يمكن أن يتم سحب البساط من تحت أقدام أصحاب المصالح ودعاة الحروب، ومنع استغلال مخاوف الشعوب لتبرير التدخلات الخارجية أو تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراع بين القوى الكبرى.
فالشرق الأوسط أرض حضارات وتاريخ عريق، وشعوبه تستحق أن تعيش في أمن وأمان واستقرار وسلام وازدهار،
لقد آن الأوان أن نغلق أبواب الحروب، وأن نفتح أبواباً جديدة للتهدئة والمصالحات.
و أن تنتهي سياسة الهيمنة والسيطرة والابتزاز، وأن تبدأ سياسة الشراكة والتعاون والتنسيق والاحترام المتبادل،
نعم لقد حان الوقت أن يصبح أمن الشرق الأوسط مسؤولية دوله وشعوبه، وأن يكون الحوار هو السلاح الأول، والسلام هو الهدف الأساسي.
وفي النهاية، فإن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الحروب… وإنما يحتاج إلى شجاعة من أصحاب العقول الوطنية الحرة للسعي لوجود مسارات سياسية للتهدئة والمصالحة ولم الشمل العربي والإقليمي،
فمن حق الشعوب أن تحيا في أمان وسلام،
وأن تصنع مستقبلها بإرادتها، بعيداً عن الحروب والهيمنة وتصفية الحسابات.

Loading