هناك جرائم لا تُرتكب في حق إنسان بعينه، ولكنها تُرتكب في حق المجتمع كله وحق الأجيال القادمة، وهناك أفعال قد تبدو بسيطة في نظر البعض، بينما تكون نتائجها كارثية وتمتد آثارها لسنوات طويلة. ومن أخطر هذه الأفعال الاعتداء على الأشجار وقطعها دون ضرورة حقيقية أو سند قانوني.
فالأشجار ليست مجرد جذوع وأغصان وأوراق للزينة أو لإضفاء الشكل الجمالي على الشوارع والميادين، وإنما هي ثروة حقيقية وكائنات حية تؤدي دورها في حماية الإنسان والبيئة، وتساهم في تنقية الهواء، وتلطيف درجات الحرارة، والحد من آثار التلوث، فضلاً عن كونها جزءآ لا يتجزأ من جمال المدن وذاكرتها ومظهرها الحضاري.
ولهذا فإن قطع أي شجرة سليمة لمجرد أنها تتعارض مع تصميم جديد، أو لأن البعض من أصحاب المصالح يريدون استغلال مساحة الأرض لأغراض أخرى، فلا ينبغي أن يُنظر إلى الأمر باعتباره شيئًا عاديًا يمكن أن يمر مرور الكرام.
وإذا كان هناك مشروع أو توسعة أو أعمال تطوير، فالأصل أن تكون الأشجار جزءآ رئيسيآ من التخطيط الهندسي منذ البداية، وأن تبحث الجهات المعنية والمسؤولة عن البدائل التي تسمح بالحفاظ عليها، وألا يكون قطعها هو الحل الأسرع والأسهل.
فالتنمية الحقيقية لا تعني أن نهدم كل ما يعترض طريقنا، وإنما تعني أن نبحث عن حلول وبدائل تحقق التطوير وتحافظ في الوقت نفسه على ما يمكن الحفاظ عليه من التراث والأشجار والمساحات الخضراء.
فالمواطن حين يرى الأشجار التاريخية تُقطع أمام عينيه دون مبرر واضح ودون محاسبة، فإنه يتعلم بصورة غير مباشرة أن الممتلكات العامة والبيئة لا قيمة لها، وأن القانون يمكن تجاوزه في أي وقت.
أما عندما يرى « المواطن » أن من يعتدي على شجرة تتم محاسبته، فسوف تصله رسالة هامة ومختلفة تماما: بأن الدولة تحترم البيئة، وتحمي المال العام، وتطبق القانون على الجميع دون استثناء. وحينها سوف يزداد احترام المواطن للقانون، ويشعر بأن مقدرات الوطن خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
ولهذا فإننا نطالب بتشديد الرقابة على عمليات قطع الأشجار، وعدم السماح بإزالة أي شجرة إلا للضرورة القصوى، وبعد الحصول على موافقة قانونية مسبقة من الجهة المختصة، مع المحاسبة الفورية والمعلنة لكل من تسبب أو ساهم في قطع الأشجار، وإلزام المتسببين بزراعة بدائل مناسبة على نفقتهم الخاصة، إلى جانب تطبيق العقوبات القانونية على كل من يعتدي على البيئة أو يقطع الأشجار دون تصريح مسبق ومعلن.
كما يجب أن تكون هناك آلية واضحة وسهلة يستطيع المواطن من خلالها الإبلاغ عن أي واقعة لقطع الأشجار أو التعدي على البيئة، مع سرعة فحص البلاغات واتخاذ الإجراءات اللازمة، حتى يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن هناك من يحمي مقدرات الوطن ويحافظ عليها.
وأقولها بكل صراحة وضوح:
قطع الأشجار ليس مجرد مخالفة بيئية بسيطة، وإنما اعتداء على حق المجتمع كله في بيئة صحية وآمنة.
فمن يقطع أشجارآ تاريخية عمرها عشرات السنين في دقائق ودون مبرر حقيقي، يرتكب خطأ فادحا في حق المجتمع؛ لأن هذه الأشجار لا يمكن تعويضها بمجرد زراعة أشجار صغيرة،
نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى زيادة المساحات الخضراء وزيادة أعداد الأشجار، وليس قطعها، خاصة في ظل الظروف المناخية المتغيرة، وما تواجهه مدننا من تحديات متزايدة بسبب التلوث وارتفاع درجات الحرارة والتوسع العمراني.
كما أننا نحتاج أيضا إلى الاهتمام بنشر الوعي البيئي بين المواطنين، وأن يفهم الجميع أن الشجرة ثروة وطنية، وأن الاعتداء عليها هو اعتداء على حق المجتمع كله وحق الأجيال القادمة في بيئة آمنة وصحية.
وفي النهاية، يجب أن تكون الرسالة واضحة إلى كل مسؤول، وكل مواطن، وكل صاحب مشروع: لا تقطع شجرة إلا للضرورة القصوى، وبتصريح قانوني واضح من الجهات المعنية بالأمر.
فحماية البيئة ليست رفاهية، وإنما هي أمن قومي وواجب وطني ومسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن.
فمصر التي تمتلك واحدة من أقدم الحضارات في التاريخ، يجب أن تكون أيضًا دولة تحترم الطبيعة وتحافظ عليها، وتحترم حقوق أبنائها في بيئة نظيفة، وهواء نقي، ومدن أكثر جمالًا، مليئة بالمساحات الخضراء.
حفظ الله الوطن.. وتحيا مصر بوحدتها دائما وأبدا رغم أنف المفسدين،
![]()
