ما حكم شراء الأصوات الانتخابية وهل يعد ذلك رشوة؟، أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال ورد إليها عبر الموقع الرسمي على فيس بوك عن سؤال عن ما حكم شراء الأصوات الانتخابية بدفعِ المالِ للناخبينَ بقصدِ التأثيرِ في اختيارِهم؟ وهل يُعَدُّ ذلك من الرِّشوةِ المحرَّمةِ شرعًا؟
وقالت دار الإفتاء: إنه يحرم شرعا شراء الأصواتِ الانتخابية بدفع المال للناخبينَ، وهو من الرِّشوَة المُحرّمة شرعًا والمعدودة من الكبائر، كما يُعَدُّ تصويتُ الناخب لمرشَّحٍ معيَّنٍ في مقابلِ ما يُعطَى من مالٍ أو منفعةٍ من قبيلِ شهادةِ الزور، بالإضافة إلى أنَّ هذا الفعل يجرُّ ضررًا عامًّا بالناس، وإلحاق الضرر بالناس منهيٌّ عنه ومُحرَّمٌ شرعًا.
تولية الأصلح
وقد حثَّ الشرعُ الشريفُ على أن تُناطَ أمورُ الناسِ بالأصلحِ والأكفأ، وأن يُقدَّمَ في مواقعِ الولايةِ والمسؤوليةِ من توفَّرت فيه مقوِّماتُ الأمانةِ والكفاية؛ لما في ذلك من تحقيقِ الصلاحِ العام، وانتظامِ مصالحِ العبادِ والبلاد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، ويدخل في الأمر بأداء الأمانة اختيارُ من يُناط به أمر الناس، لأنَّ ذلك من أعظم الأمانات وأخطرها أثرًا.
حكم شراء الأصوات الانتخابية
وتابعت دار الإفتاء أن دفع المال للناخبين بقصد شراء الأصوات الانتخابية والتأثير في اختيارهم يعد من قبيل الرِّشوَة، والتي هي عبارة عن: “ما يعطى لإبطال حقٍّ، أو لإحقاق باطل”، كما في “التعريفات” للشريف الْجُرجاني (ص: 111، ط. دار الكتب العلمية).
والرِّشوَة محرَّمةٌ شرعًا بنصوص الوحيَين الشريفين، قال الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42]، والسُّحتُ: هو الرِّشوَة، كما في “مفاتيح الغيب” للإمام فخر الدين الرازي (11/ 361، ط. دار إحياء التراث العربي).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالمُرتَشِيَ» أخرجه الأئمة: أبو داود والترمذي ابن ماجه، وفي رواية زيادة: «وَالرَّائِشَ» أخرجه الإمام أحمد عن ثوبان.
والرَّائِش: هو الوسيط الذي يسعى بين الراشي والمرتشي لإتمام أمر الرِّشوَة وتسهيله، كما في “فيض القدير” لزين الدين المُناوي (5/ 268، ط. المكتبة التجارية).
وقد عدَّ الإمام شمس الدين الذَّهَبي الرِّشوَة من جملة الكبائر، كما في كتابه “الكبائر” (ص: 131، ط. دار الندوة)، وتابَعَه على ذلك شيخ الإسلام ابن حجر الهَيتَمِي، كما في كتابه “الزواجر عن اقتراف الكبائر” (2/ 312، ط. دار الفكر).

شراء الأصوات الانتخابية شهادة زور
وأوضحت أن تصويت الناخب لمرشَّحٍ معيَّنٍ في مقابلِ ما يُعطَى من مالٍ أو منفعةٍ من قبيلِ شهادةِ الزور، و”هي أن يشهد بما لم يعلم، وإن وافق الواقع”، كما في “الفواكه الدواني” للإمام شهاب الدين النَّفراوي (2/ 278، ط. دار الفكر).
وإنما عُدَّ من قبيل شهادة الزور؛ لأنَّ التصويتَ في حقيقته شهادةٌ على أمانةِ المرشَّح وصلاحِه لتولِّي الشأنِ العام، فإذا أُدِّيَ لمجرَّد الحصول على مالٍ أو منفعةٍ كان زُورًا؛ لما فيه من تزييفٍ للحقائقِ، وإفسادٍ لمقصودِ الشهادةِ، وغشٍّ للأمَّةِ في مصالحِها العامَّة.
وقد نهى الشرع الشريف نهيًا شديدًا عن قول الزُّورِ والعملِ به، ورتَّب عليه الإثم العظيم والنكال الشديد؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:30].
كما عدَّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أكبر الكبائر، فعن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُم بِأَكبَرِ الكَبَائِرِ؟ ثَلَاثًا»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الإِشرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ»، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: «أَلَا وَقَولُ الزُّورِ»، قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. متفق عليه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُم بِأَكبَرِ الكَبَائِرِ؟» قَالَ: «قَولُ الزُّورِ» أَو قَالَ: «شَهَادَةُ الزُّورِ» متفق عليه.
![]()
