إلى متى يبقى الإنسان آخر من يتم التفكير فيه؟
في منطقة تمتد بين الصف وحلوان وعرب أبو ساعد، يقف ملف بيئي شديد الحساسية أمام أعين الأجهزة المعنية، يتعلق بـ ، وسط تساؤلات متزايدة حول الانبعاثات الصناعية وتأثيرها المحتمل على السكان والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يجوز أن تتوسع الأنشطة الصناعية في منطقة مأهولة وقريبة من الأراضي الزراعية دون أن تكون صحة المواطنين هي المعيار الأول والأخير؟
الأمر لا يتعلق برفض الصناعة أو الاستثمار، فالصناعة ضرورة للاقتصاد وفرص العمل، لكن أي استثمار لا يمكن أن يكون على حساب حق المواطن في الهواء النظيف والمياه الآمنة والغذاء السليم والبيئة الصحية.
مصنع وسط نطاق سكاني وزراعي.. فمن يراقب؟
المثير للقلق أن منطقة عرب أبو ساعد نفسها كانت محل اهتمام رسمي سابق باعتبارها من المناطق التي تحتاج إلى تدخلات للحد من التلوث الصناعي؛ إذ ذكرت وزارة البيئة أن برامج التحكم في التلوث الصناعي ركزت على مناطق من بينها عرب أبو ساعد وحلوان والتبين.
وهنا تظهر المفارقة:
إذا كانت الدولة قد صنفت المنطقة ضمن المناطق الأكثر احتياجًا للحد من التلوث، فكيف يتم السماح بمزيد من التوسع الصناعي دون إعلان واضح للرأي العام عن نتائج تقييمات الأثر البيئي؟
والسؤال ليس اتهامًا لأحد، وإنما مطالبة مشروعة بالشفافية.
أين وزارة البيئة؟
نحن لا نطالب بإغلاق مصنع لمجرد وجود مخاوف أو شكاوى، ولا نطالب بوقف الإنتاج وتعطيل العمالة.
نحن نطالب بشيء أبسط وأهم:
تفتيش بيئي حقيقي ومستقل، وقياسات معلنة للانبعاثات، وفحص دوري لجودة الهواء والمياه والتربة حول المصنع، وإعلان نتائج هذه القياسات للمواطنين.
فوزارة البيئة لديها أصلًا اختصاصات تتعلق بالتفتيش والالتزام البيئي، كما توفر قنوات رسمية للشكاوى والبلاغات البيئية.
إذن: ما الذي يمنع من إجراء حملة تفتيش شاملة وشفافة على المنطقة وإعلان نتائجها؟
هل هناك سابقة تستحق التوقف؟
هذه ليست أول مرة يثار فيها الجدل حول مصنع سماد حلوان.
ففي يناير 2020، طالب رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب آنذاك وزارة البيئة والجهات المختصة بالتدخل بشأن ما وصفه بكارثة مرتبطة بالمصنع، وتحدث عن مخاوف من الانبعاثات والمخالفات وتأثيراتها الصحية. وهذه تصريحات منشورة في وسائل إعلام وليست حكمًا علميًا نهائيًا على الوضع الحالي للمصنع.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
إذا كانت المخاوف قد طُرحت منذ سنوات، فلماذا لا يتم حسمها علميًا اليوم؟
إما أن المصنع ملتزم بالاشتراطات البيئية، وعندها يجب أن تظهر القياسات الرسمية ذلك بوضوح، وإما أن هناك مخالفات، وعندها يجب إلزام المصنع بتصحيحها فورًا.
التوسع الصناعي يحتاج إلى إجابة.. لا إلى صمت
إذا كانت هناك بالفعل أقسام أو خطوط إنتاج جديدة، فإن السؤال الأهم هو:
هل حصلت هذه التوسعات على جميع الموافقات البيئية المطلوبة؟
وهل أُجريت دراسة تقييم أثر بيئي تتناسب مع حجم التوسع؟
وهل تم قياس تأثير الانبعاثات التراكمية على المناطق السكنية والزراعية المحيطة؟
وهل توجد منظومة مستمرة لرصد الانبعاثات وليس مجرد حملات تفتيش موسمية؟
هذه الأسئلة يجب أن تجيب عنها الجهات الرسمية بالأرقام والمستندات، وليس بالتصريحات العامة.
صحة الإنسان ليست ملفًا ثانويًا
لا يجوز أن يتحول المواطن إلى مجرد رقم في معادلة الإنتاج.
فإذا كانت الصناعة تحقق مليارات، فإن تكلفة الأمراض والتلوث وتدهور الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية يجب أن تكون حاضرة في الحسابات.
والأخطر من ذلك أن آثار التلوث الصناعي لا تتوقف عند سور المصنع؛ فالهواء لا يعرف الحدود الإدارية بين الصف وحلوان وعرب أبو ساعد.
لذلك فإن أي تقييم بيئي جاد يجب أن ينظر إلى المنطقة بأكملها باعتبارها نطاقًا بيئيًا واحدًا، وليس إلى المصنع منفردًا فقط.
والسؤال الأصعب: لماذا الصمت؟
الدولة التي اتخذت قرارات صعبة في ملفات صناعية وبيئية من أجل حماية البيئة مطالبة بأن تطبق المعيار نفسه على الجميع.
لا نريد انتقائية.
ولا نريد إغلاق مصنع لمجرد الشائعات.
ولا نريد أيضًا أن تتحول حماية الاستثمار إلى ذريعة لتجاهل شكاوى المواطنين.
المطلوب هو القانون والقياس والشفافية.
إذا كانت نتائج القياسات تؤكد سلامة المصنع، فلتخرج وزارة البيئة وتعلنها للرأي العام.
وإذا كانت هناك مخالفات، فليتم إعلانها وإلزام المصنع بإزالتها وفق جدول زمني واضح.
أما ترك المواطنين يتساءلون: ماذا نتنفس؟ وماذا يصل إلى أرضنا ومياهنا ومحاصيلنا؟ فذلك هو الأمر الذي لا يجوز أن يستمر.
نداء عاجل إلى وزارة البيئة
نطالب وزارة البيئة وجهاز شئون البيئة بـ:
إجراء تفتيش بيئي شامل ومفاجئ على المصنع.
نشر نتائج قياسات جودة الهواء والانبعاثات في المنطقة.
مراجعة الموافقات البيئية الخاصة بأي توسعات أو خطوط إنتاج جديدة.
فحص التربة والمياه والمحاصيل في المناطق الزراعية المحيطة.
إنشاء منظومة رصد مستمر للانبعاثات وإتاحة نتائجها للجهات المحلية والجمهور.
تشكيل لجنة تضم البيئة والصحة والزراعة والجهات المحلية لفحص الوضع البيئي في المنطقة.
الاستماع إلى شكاوى الأهالي ميدانيًا بدلًا من الاكتفاء بالمكاتبات.
نحن لا نحارب الصناعة.. نحن نحارب التلوث.
ولا نريد إغلاق مصنع.. نريد مصنعًا يعمل وفق القانون دون أن يدفع المواطن ثمنًا من صحته أو أرضه أو مستقبله.
والسؤال الذي نضعه أمام وزارة البيئة والجهات المسؤولة:
هل مصنع سماد حلوان ملتزم اليوم بكل الاشتراطات البيئية؟ وهل توسعاته الجديدة حصلت على الموافقات البيئية اللازمة؟ وما نتائج آخر قياسات رسمية للانبعاثات وجودة الهواء والمياه والتربة حول المصنع؟
الشعب من حقه أن يعرف.. والصحة العامة ليست مجالًا للصمت أو المجاملة.
![]()
