في حجرة متوسطة المساحة، تتجاور شاشات الكمبيوتر مع أرفف مليئة بالكتب الفقهية والمراجع الحديثة في علم النفس، والكتب الشرعية، لا تسمع هنا صخب أروقة الفتوى التقليدية، بل طقطقة سريعة على لوحات المفاتيح وصوت خافت لمناقشة تجمع بين مختص نفسي ومفتٍ حول مشاعر الذنب لدى الشباب، أو مشاعر  المشاكل الأسرية بجميع أتواعها.. هنا تعمل منصة سكن التابعة لدار الإفتاء المصرية، والتي أُطلقت لتبني جسرًا جديدًا بين المنظور الشرعي والواقع النفسي المعاصر، متجاوزة النموذج القديم القائم على الإجابة عن السؤال بـ حلال أو حرام فقط.

 

وللوقوف على هذه التجربة عن قرب، قمنا بإرسال 4 أسئلة حقيقية عبر المنصة تناولت مشكلات شائعة بين الشباب (الشعور بالتقصير، الاحتراق النفسي، العلاقات العاطفية، واضطراب الشغف)، لنرصد كيف تُرجمت الإجابات إلى مزيج متطور بين الفقه الحديث وعلم النفس.

 

نماذج حية.. كيف تجيب سكن على أزمات الشباب والعلاقات؟

في أزمة تهديد الرجل المستمر لزوجته بالطلاق، لم تكتفِ الإجابة بتوضيح الحكم الشرعي ليَمين الطلاق، بل غاصت في أثره النفسي التراكمي على الزوجة، وجاء في رد المختص: “عندما تسمع الزوجة باستمرار: «سأطلقك إذا فعلتِ كذا»، فقد لا يصل إليها فقط أنك غير راضٍ عن سلوك معين، وإنما قد تشعر أن العلاقة نفسها مهددة، فتعيش في حالة من الخوف والترقب بدل أن تنشغل بفهم المشكلة وإصلاحها. ومع تكرار التهديد قد تصبح أكثر حساسية لغضب الزوج، أو تكتم مشاعرها، أو تتعامل مع العلاقة بحذر بدل الشعور بالطمأنينة.”

وفي أزمة التردد في الاختيار والمقارنة الشكلية بين الشريكين، اتسم  رد المختص بالمنصة بالسرعة الشديدة ولم يتعدَّ الساعة الواحدة على سؤال فتاة (18 سنة) تحب شابًا متدينًا ومتعلمًا لكنها تتردد بسبب شكله وتخشى توريث ملامحه لأطفالها، جاء الرد يجمع بين احترام إرادة السائلة والتحليل النفسي لترددها: “القرارُ قرارك، وليس من اختصاصنا أن نؤثر عليكِ، ولكن من كلامكِ يبدو أن التردد لا يرتبط بالمخطوب وصفاته وحدها؛ فأنتِ تَذْكُرِينَ فيه صفاتٍ كثيرة تتمنينها، وتَرَيْنَ أخلاقَه وعلمَه وتعلُّقَه بكِ، وإنما يتداخل مع ذلك انشغالكِ بشكله، والمقارنة المستمرة، والخوف من أن تكوني قد اخترتِ اختيارًا غير مثالي. وقد تكون هذه الأفكار مما يؤلمكِ ويُبقيكِ في دائرة التردد، ولذلك لا تتعاملي مع كل فكرة عابرة وكأنها دليل على أن الزواج خطأ.”

فتوى بطعم السكينة

من جهته يرى الدكتور عطية لاشين، عضو لجنة الفتوى بالأزهر، لـ القاهرة 24، إن هذه الاستشارات تتميز بأنها متوازنة ونفسية؛ فلا تنحاز لطرف ولا تكتفي بلومه، وإنما تبحث في أسباب السلوك والمشاعر والاحتياجات، وتنظر إلى المشكلة باعتبارها تفاعلًا بين الطرفين، مع الحفاظ على كرامتهما وتجنب التشخيص أو الأحكام المتسرعة.

وتابع الدكتور عطية لاشين: كما تجمع بين الفهم النفسي والحل العملي؛ فتوضح للسائل ما قد يدور في العلاقة بلغة سهلة وبعيدة عن المصطلحات المعقدة، وتدفعه إلى مراجعة دوره وفهم احتياجات الطرف الآخر، مع التأكيد أن فهم أسباب السلوك لا يعني تبريره أو قبول السلوك الخاطئ.

وأكمل لاشين: وتتميز كذلك بالاعتدال والمسؤولية؛ فلا تتعجل الحكم بالطلاق أو الاستمرار، ولا تكتفي برواية طرف واحد، بل تشجع على الحوار وسماع الطرفين وتجربة خطوات عملية للإصلاح، مع اللجوء إلى الإرشاد الزواجي المتخصص عندما تستعصي المشكلة أو تتكرر دون تحسن.

من جانبه قال الدكتور خالد فؤاد استشاري الصحة النفسية والعلاج المعرفي السلوكي، إن ما تقدمه منصة “سكن” يُعد نقظة تحول حقيقية وفريدة في التعامل مع أزمات الشباب النفسية في عالمنا العربي، لسنوات طويلة، كنا كأطباء وأخصائيين نفسيين نعاني من حالة “الاستقطاب”؛ حيث يقع المريض النفسي بين فكي التشكيك الديني في معاناته واتهامه بضعف الإيمان، وبين أطروحات نفسية غربية تسلخه من جذوره وثقافته.

وتابع في تصريحات لـ القاهرة 24: ما نراه حاليًا في تجربة “سكن” هو نموذج رفيع للدمج المتكامل بين العلاج المعرفي السلوكي والفهم الإنساني العميق، حيث لم تعد الفتوى تُقدم كأمر فوقي جاف، بل كجرعة دعم وتفهم ومساندة تُعالج أصل القلق والذنب والاحتراق النفسي بلغة راقية وتفهم صريح لآليات العقل البشري. هذه المنصة ليست مجرد خدمة إفتائية، بل هي أداة وقاية صحية ونفسية تُنقذ العديد من الشباب من دوامات الاكتئاب والضياع.

تدشين منصة سكن

وفي مطلع سبتمبر الجاري، أطلق فضيلة الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية، منصة سكن التفاعلية المعنية بشؤون الأسرة، في ختام أعمال المؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، والذي انعقد تحت عنوان: التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهــوية.

وأكد مفتي الجمهورية في كلمته آنذاك، أن مناقشات المؤتمر أكدت أن الأسرة المعاصرة تقع في قلب تحولات رقمية وتقنية واقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية متداخلة، وأن المحافظة عليها لا تعني عزلها عن حركة العصر، كما أن مواكبة العصر لا تعني التسليم بكل ما ينتجه من أنماط وقيم، ومن ثم، فإن حمايتها تقتضي مقاربةً رشيدةً تجمع بين ثبات المرجعية، ووعي الواقع، واستشراف المستقبل، وتنتقل من رد الفعل إلى الوقاية والاستباق.

وأوضح فضيلة المفتي: كما انتهى المؤتمر إلى أن الفتوى الأسرية المعاصرة لا ينبغي أن تحصر في الإجابة عن الوقائع الفردية بعد حدوثها؛ بل تتسع، مع المحافظة على ضوابطها الشرعية والعلمية، لتسهم في بناء الوعي، والوقاية من الأزمات، والإرشاد والإصلاح، ودعم السياسات العامة.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني