بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير الماضي، اصبح اسم باكستان يتردد باستمرار في نشرات الأخبار وتحليلات المعلقين على مستوى العالم، بعد أن أصبحت الوسيط الأساسي في الجهود الرامية إلى وقف تلك الحرب، خاصة بعد اختيار عاصمتها إسلام آباد لاستضافة المحادثات غير المباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين لإنهاء الحرب.

وبعد أن أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديده بشن هجوم ساحق يدمر “حضارة إيران بأكلمها” إذا لم تعيد إيران فتح مضيق هرمز بحلول ليل السابع من أبريل، أجرى المشير عاصم منير قائد الجيش الباكستاني اتصالات مكثفة مع الجانبين الأمريكي والإيراني لتجنب الكارثة التي يمكن أن تتحول إليها تلك الحرب.

وبالفعل وفي الليلة التي انتظر فيها العالم تنفيذ تهديد ترامب، أعلنت واشنطن وطهران الاتفاق على وقف إطلاق النار. وقدّم ترامب ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي شكرهما علنا لمنير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. وبعد أيام، جلس نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس مع المفاوضين الإيرانيين في إسلام آباد لأكثر من 20 ساعة، في أعلى مستوى من التواصل المباشر بين واشنطن وطهران منذ الثورة الإيرانية عام 1979.

وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال أسفانديار مير الباحث الزميل في شؤون جنوب آسيا بمركز ستيمسون الأمريكي للأبحاث إنه في حين يظل مستقبل وقف إطلاق النار، والهدنة الرسمية وخطط التسوية الأوسع نطاقا بين الولايات المتحدة وإيران غامضًا للغاية، كانت وساطة باكستان تطورًا لافتًا.

فمنذ الحرب العالمية الثانية كانت الدول ذات النفوذ الجيوسياسي القادرة على القيام بوساطات ناجحة تمتلك مكانة القوى العظمى، والثقل الاقتصادي، والمبادئ الليبرالية، والقدرة على حشد الدول الأخرى. ولم تمتلك باكستان أيام من هذه السمات في أي مرحلة من تاريخها. فقد كانت دولة نووية على هامش النظام الغربي، وارتبط اسمها في أغلب الأحيان بالاضطرابات الإقليمية أكثر من ارتباطه بحل النزاعات. ومع ذلك نجحت باكستان، في الحرب الأمريكية الإيرانية، فيما فشلت الصين وفرنسا وألمانيا والهند وبريطانيا وغيرها من القوى الجيوسياسية الكبرى.

وبحسب مير فإن جهود إسلام آباد للوساطة في الصراع الحالي يمثل تحولا أوسع نطاقا في السياسة العالمية، لآن النظام الدولي المضطرب، الذي تشكل بفعل التنافس متعدد الأقطاب، بدأ يكافئ دولا تفتقر إلى المقومات الجيوسياسية التقليدية. فمع عجز الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات متعددة الأطراف عن تخفيف حدة النزاعات المعاصرة، بدأت قوى غير تقليدية، من بينها باكستان وقطر وتركيا وغيرها، تنخرط في سياسات ترسيخ الاستقرار لتعويض غياب المؤسسات الدولية. وبالفعل نجحت هذه الدول في التوسط لإطلاق سراح الرهائن والسجناء، والتفاوض على فتح ممرات تجارية، وإطلاق حوار سياسي هادف بين فرقاء، بهدف إدارة النزاعات قبل أن تخرج عن السيطرة.

في المقابل كانت الحرب الأمريكية ضد إيران أحدث مثال على فشل القوى الكبرى في وقف الصراعات. فالقوى الأوروبية، رغم معاناتها من آثار اقتصادية وخيمة جراء إغلاق إيران لمضيق هرمز اكتفت بتصريحات شكلية أعربت فيها عن قلقها. أما الصين، التي توسطت في التقارب بين إيران والسعودية عام ٢٠٢٣، والتي طالما تفاخرت بتغلغلها العسكري والاقتصادي في الشرق الأوسط، فقد التزمت الحياد، في حين امتنعت الهند، بسياستها الخارجية متعددة التحالفات، عن أي دور في جهود وقف تلك الحرب. وفي هذا الفراغ، برزت باكستان لكي تملأه بنجاح واضح حتى الآن.

وساهمت بعض السمات في جعل إسلام آباد وسيطا فعالا بين طهران وواشنطن، التي لا ترتبط بأي منهما لا بمعاهدة تحالف ولا بخصومة معروفة. واستطاعت باكستان بناء علاقات متينة تتجاوز الانقسامات التي تعجز عنها القوى التقليدية. إذ تحافظ على علاقة استراتيجية مع الصين، وتسعى في الوقت نفسه إلى إقامة علاقة مماثلة مع الولايات المتحدة، حتى عندما رفضت واشنطن ذلك مراعاة لعلاقاتها مع الهند. كما ترتبط بتحالف قوي مع السعودية، وكذلك مع إيران بحكم القرب الجغرافي والانتماء الديني. هذا الموقف المتقاطع جعل باكستان مفيدة لواشنطن وطهران عندما احتاج كل منهما إلى طرف يقبله الآخر كوسيط.

ورغم ذلك يرى أسفانديار مير أن النفوذ والعلاقات المرنة لم تكن لتجدي نفعا دون وجود قادة مستعدين لتحمّل المخاطر السياسية المترتبة على استخدامها في جهود الوساطة المعرضة للفشل. وفي حين يتجنب معظم قادة الدول التقليدية المخاطرة لدرجة تمنعهم من الانخراط في مثل هذا النوع من الوساطة الجيوسياسية التي يقودها أصحاب المصالح، اختارت القيادة الباكستانية المخاطرة وتولت دور الوساطة.

وعلى مدى العقدين الماضيين، لم تكن العلاقات المتوترة بين إسلام أباد وواشنطن بسبب المشاركة في الحرب الأمريكية على الإرهاب تسمح بمثل هذه الوساطة الباكستانية. وعندما تولى الجنرال عاصم منير قيادة الجيش الباكستاني في عام ٢٠٢٢، كان العديد من المحللين يعتقدون أن باكستان في طريقها إلى الهاوية بسبب انهيار الأوضاع الاقتصادية واستمرار توتر العلاقات مع الولايات المتحدة وتنامي نشاط الجماعات المتشددة المدعومة من نظام حكم طالبان في أفغانستان

لكن منير، الذي أصبح رجل باكستان القوي، نجح في تغيير المسار، لا سيما على الصعيد الدولي، حيث أعاد بناء العلاقات مع واشنطن. وجاءت حرب باكستان مع الهند في مايو ٢٠٢٥ نقطة تحول بالنسبة لتعزيز مكانة باكستان الدولية، حيث صمدت في مواجهة عدوها الأكبر حجما والأقوى تسليحا، بل وردت عليه بقوة أجبرته على قبول وقف إطلاق بعد أيام قليلة. وساعد ذلك منير على كسب تقدير ترامب، وبالتالي بناء علاقة ودية وشخصية أقوى من أي علاقة جمعت زعيم باكستاني برئيس أمريكي منذ جيل. ووقع منير اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، وعزز القنوات الدبلوماسية مع إيران، مما رفع مكانة إسلام آباد الإقليمية ووسع نطاق نفوذها.

في الوقت نفسه أثبتت الحروب الأخيرة التي شهدها العالم بدءا من الحرب الروسية الأوكرانية ثم الحرب الإسرئيلية ضد قطاع غزة الفلسطيني وأخيرا الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران عجز الاستراتيجيات القائمة على التحالفات التقليدية عن منع أو إنهاء الحروب في أوكرانيا وغزة وإيران. في عالم مضطرب، أصبحت هذه التحالفات التقليدية نقطة ضعف للدول الكبرى، في الوقت الذي يحتاج فيه تحقيق الاستقرار واحتواء الصراعات قدرا من المرونة كتلك التي مارستها باكستان ونظيراتها من الدول الصغيرة نسبيا.

ولتعزيز العلاقات مع هؤلاء الوسطاء، يجب على الولايات المتحدة إظهار نفس الاستعداد لتجاوز الخلافات معهم. فحتى عام 2024، كان هناك شبه إجماع في واشنطن على ضرورة عزل باكستان أو على الأقل تهميشها بالنسبة للسياسة الأمريكية حرصا على العلاقات القوية مع الهند لموازنة الصعود الصيني الدولي والإقليمي. لكن الحرب الأخيرة ونجاح باكستان فيما فشلت فيه الهند والصين بل وأوروبا الغربية أثبت أهمية العلاقة مع باكستان بالنسبة للولايات المتحدة.

معنى ذلك أن باكستان حققت بالفعل مكاسب كبيرة من تلك الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مهما كانت النهاية التي ستؤول إليها الحرب.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني