أثارت تصريحات رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بشأن التوجه نحو التحول التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، وإعادة هيكلة منظومة الدعم، نقاشًا واسعًا في الشارع المصري، خاصة بعد تأكيده أن الدعم ليس نظامًا دائمًا، وأن الدولة تعمل على تحديث قوائم المستفيدين وفقًا لمعايير الاستحقاق.
كما أشار رئيس الوزراء إلى وجود فاقد في منظومة دعم الخبز، وإلى أن بعض المستفيدين لم يعودوا في حاجة إلى الدعم، وهو ما تزامن مع استبعاد عدد من المواطنين من بطاقات التموين وإتاحة باب التظلمات لهم.
ورغم أهمية مراجعة قواعد بيانات الدعم لضمان وصوله إلى مستحقيه، فإن آلية التنفيذ لا تقل أهمية عن القرار نفسه. فمن الأفضل أن يسبق أي استبعاد إخطار واضح للمواطن يبين أسباب القرار، ويمنحه فرصة لتحديث بياناته أو تقديم ما يثبت أحقيته قبل وقف الدعم، وهو ما يعزز الشفافية ويحد من حالة الارتباك التي قد يتعرض لها بعض المواطنين.
ولا يمكن تناول ملف الدعم بمعزل عن المتغيرات الاقتصادية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، والتي انعكست على مستويات الأسعار وتكاليف المعيشة. فقد تعرضت القدرة الشرائية للأسر لضغوط متزايدة، وأصبحت شريحة واسعة من أصحاب الدخول الثابتة، ومن بينهم موظفون ومهنيون، تواجه تحديات اقتصادية أكبر مما كانت عليه قبل سنوات.
كما أن قيمة الدعم التمويني لم تعد تحقق الأثر نفسه الذي كانت تحققه سابقًا، في ظل ارتفاع أسعار السلع، بينما لا يزال كثير من الأسر يشير إلى أن عدم إضافة المواليد إلى بطاقات التموين منذ سنوات يمثل أحد الملفات التي تحتاج إلى مراجعة، خاصة بالنسبة للأسر الأكثر احتياجًا.
أما فيما يتعلق برغيف الخبز المدعم، فقد أدى تعديل سعره إلى زيادة الأعباء على عدد كبير من الأسر، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح المالي للدولة وضرورة حماية الفئات الأقل دخلًا.
ومن المؤكد أن تطوير منظومة الدعم هدف مشروع، بل وضروري، إذا كان الهدف هو منع الهدر وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه. إلا أن نجاح هذا التطوير يرتبط بوجود معايير واضحة، وإجراءات شفافة، وقواعد بيانات محدثة، فضلًا عن آليات تظلم فعالة وسريعة تمنح المواطن الثقة في عدالة القرارات.
كما أن التحول الرقمي والشمول المالي وفرا للدولة أدوات متقدمة تساعد على تحسين دقة استهداف المستحقين، وهو ما يفتح المجال أمام بناء منظومة أكثر كفاءة وعدالة، دون أن يترتب على ذلك الإضرار بالفئات التي لا تزال بحاجة إلى الدعم.
ويبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والحفاظ على شبكة الحماية الاجتماعية. فالإصلاح المالي لا يكتمل إلا إذا صاحبه شعور المواطنين بالعدالة، واطمئنانهم إلى أن القرارات الاقتصادية تراعي أوضاعهم المعيشية، خاصة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية.
وفي النهاية، فإن قوة أي سياسة اقتصادية لا تُقاس فقط بما تحققه من مؤشرات مالية، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وصون كرامة المواطن، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بكفاءة وعدالة وشفافية.
![]()
