أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتى الجمهورية أن الأسرة هى الحاضنة الأولى للقيم، ويتعلم فيها المسئولية والانتماء، وأن مؤتمر «التحديات الأسرية فى ظل التحولات الكبرى» يُعد مساحة لتعزيز التعاون بين دور وهيئات الإفتاء فى العالم لصياغة رؤى تحمى الأسرة، مضيفًا فى حواره لـ«روزاليوسف» أن طبيعة العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعى يجب أن تكون قائمة على الوعى لا التبعية، وخاصة بين الأجيال الصغيرة.. وإلى نص الحوار:
ما أهمية مؤتمر «التحديات الأسرية فى ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية» ؟
– الأسرة هى الحاضنة الأولى للقيم والمؤسسة التى يتلقى فيها الإنسان أول دروس المسئولية والانتماء والحوار والتراحم، ومنها يبدأ بناء الإنسان، وبصلاحها يصلح جانب كبير من المجتمع وباختلالها تمتد آثار الخلل إلى دوائر أوسع، فالأسرة مقصد شرعى وحضارى وبناء الإنسان يبدأ من بيت تسوده السكينة والمودة والرحمة، لكنها اليوم لم تعد تواجه تحدياتها فى بيئة مستقرة وثابتة؛ فقد طرأت تحولات متلاحقة على أنماط الحياة والعلاقات ومصادر المعرفة ووسائل التواصل، وأصبح الفضاء الرقمى شريكًا فى تشكيل الوعى والتأثير فى السلوك، إلى جانب ما تفرضه الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية من ضغوط جديدة.
ومن هنا جاءت أهمية هذا المؤتمر؛ باعتباره مساحة لتعزيز التعاون بين دور وهيئات الإفتاء فى العالم، وصياغة رؤى علمية وإفتائية مشتركة لحماية الأسرة والأجيال وصيانة الهوية للتكيف مع تحولات العصر والتعامل مع التحديات الفكرية والأخلاقية المعاصرة بعلم وبصيرة؛ لأننا لا نريد أن نقف عند حدود تشخيص المشكلات الأسرية بعد وقوعها، وإنما نريد أن نفهم التحولات التى تصنعها، وأن نقرأ ما يمكن أن تفضى إليه مستقبلًا، ثم نبنى على ذلك معالجات إفتائية واستشرافية أكثر قدرة على الوقاية والإصلاح.
هل ترون أننا أمام تحول جذرى فى مفهوم الأسرة ووظائفها وطبيعة العلاقات داخلها، يستدعى إعادة النظر فى أدوات التعامل الإفتائى معها؟
– أرى أن الأمر يتجاوز مجرد ظهور مشكلات جديدة؛ فنحن أمام تحولات تمس البيئة التى تتشكل فيها الأسرة، وتؤثر فى أنماط التواصل داخلها، وفى مصادر القيم والمعارف التى يتلقى منها الأبناء تصوراتهم عن الحياة والعلاقات، فلم تعد الأسرة وحدها مصدر التأثير، وإنما تشاركها المدرسة والإعلام والفضاء الرقمى والمنصات الاجتماعية، بما تحمله من رسائل متعددة ومتباينة.
ومن هنا، فإن التعامل مع القضايا الأسرية المعاصرة لا يستقيم بمعزل عن سياقها؛ فالفتوى ليست حكمًا مجردًا يُلقى على الواقعة، وإنما هى بيان للحكم الشرعى فى واقعة محددة، ومن ثم فإن حسن تصور الواقع وفهم ملابساته جزء من سلامة المعالجة الإفتائية، وتطوير أدوات الفتوى لا يعنى تغيير الثوابت، وإنما القدرة على تنزيلها فى واقع متغير، مع التمييز بين الحالات والنظر فى المآلات؛ لتكون الفتوى أقرب إلى الإصلاح، وأقدر على حفظ الحقوق وصيانة الأسرة وتحقيق السكينة والمودة والرحمة.
ومن هذا المنطلق، لم تقتصر رسالة دار الإفتاء المصرية على بيان الأحكام الشرعية، وإنما امتدت إلى الاضطلاع بمسئوليتها المجتمعية تجاه قضايا الأسرة؛ فحرصت على إطلاق برامج متخصصة لتأهيل المقبلين على الزواج، انطلاقًا من أن بناء الأسرة يحتاج إلى رؤية متكاملة تراعى إلى جانب المعرفة الشرعية الأبعاد النفسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية، بما يعزز الحوار والتفاهم ويحفظ الحقوق والواجبات.
المؤتمر يطرح الانتقال من الفتوى التى تجيب عن المشكلة بعد وقوعها إلى الفتوى الاستشرافية.. كيف يمكن للمؤسسة الإفتائية أن تتوقع القضايا الأسرية قبل أن تتحول إلى أزمات؟
– إن من أهم مقتضيات تطوير العمل الإفتائى أن تتسع الرؤية من حدود السؤال القائم إلى ما وراءه من تحولات ومآلات؛ فكثير من الأزمات الأسرية لا تبدأ فى صورة أزمة مكتملة، وإنما تتكون تدريجيًا من تغيرات فى السلوك أو المفاهيم أو أنماط التواصل، ثم تتراكم آثارها حتى يصبح علاجها أكثر صعوبة، والاستشراف هنا يعنى قراءة الواقع قراءة واعية، ورصد التحولات الاجتماعية والتقنية والثقافية ودراسة ما يمكن أن تنتجه من نوازل، ثم إعداد الأطر الشرعية والأخلاقية التى تساعد الإنسان على التعامل معها قبل أن تتحول إلى ظواهر واسعة الانتشار.
وقد أصبح هذا الأمر أكثر إلحاحًا مع التطور التقني؛ فما كان بالأمس احتمالًا تقنيًا أصبح اليوم واقعًا معاشًا، مما يحتم على المؤسسة الإفتائية أن تكون حاضرة فى مرحلة تشكل الظاهرة، لا بعد اكتمالها فقط، ولذلك لا بد أن يكون هذا التعامل قائمًا على فهم الواقع والنظر فى المآلات، وأن تتم قراءة ما قبل الأزمة لبناء مناعة معرفية وقيمية تحول دون وقوعها أو تحد من آثارها.
الذكاء الاصطناعى أصبح قادرًا على محاكاة الحوار والمشاعر وتقديم النصائح، كيف ينبغى للفتوى أن تتعامل مع ما يمكن تسميته بـ«العلاقات الوجدانية الاصطناعية»؟
– انتقل الذكاء الاصطناعى من كونه أداة تقنية إلى حضوره فى بعض أنماط التواصل الإنسانى، بما يفتح أسئلة أخلاقية واجتماعية جديدة، لكن ينبغى التمييز بين محاكاة المشاعر ووجودها، وبين الاستجابة الآلية والعلاقة الإنسانية الحقيقية؛ فالآلة مهما بلغت قدرتها لا تصبح إنسانًا، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن الأسرة أو العلاقات الإنسانية أو المتخصص حين تتصل المشكلة بجوانب نفسية أو اجتماعية.
ومن هنا ينبغى أن تكون علاقتنا بالتقنية قائمة على الوعى لا التبعية، ولا سيما لدى الناشئة؛ فإن الاستسلام غير الواعى لطروحات الذكاء الاصطناعى دون تمحيص أو نقد قد يتحول إلى واحدة من أبرز «النوازل العقدية المعاصرة»، إذا أفضى إلى تبنى أفكار أو تصورات تخالف الثوابت الدينية أو تشوش على منظومة القيم.
وينطبق ذلك على الفتوى أيضًا؛ فالذكاء الاصطناعى يمكن أن يكون أداة مساعدة فى البحث والوصول إلى المعلومات، لكنه لا يستقل بإصدار الفتوى؛ لأن الفتوى تحتاج إلى فهم الواقعة وملابساتها، ومراعاة أحوال المستفتى، واختلاف الظروف، والنظر فى المآلات.
هل أصبحت منصات التواصل الاجتماعى طرفًا مؤثرًا فى العلاقة الزوجية وتربية الأبناء؟
– كل وسيلة يبتكرها الإنسان تحمل فى داخلها إيجابيات وسلبيات، ووسائل التواصل الاجتماعى هى إحدى هذه الوسائل التى غيّرت معالم التعامل والتربية والقيم داخل الأسرة الواحدة، فالفضاء الرقمى أصبح جزءًا من الحياة اليومية للأسرة، ولذلك لم يعد من الممكن النظر إليه باعتباره عالمًا منفصلًا عن العلاقات الأسرية؛ فما يحدث خلف الشاشات قد يترك آثاره المباشرة داخل المنزل.
وقد أوجدت المنصات الرقمية أنماطًا جديدة من التواصل والتأثير والمقارنة، وأصبح ما يراه الإنسان من صور منتقاة لحياة الآخرين قادرًا على تشكيل توقعات غير واقعية عن الزواج والأسرة. كما أن الإفراط فى استخدام الأجهزة قد يضيّق مساحة الحوار والمشاركة بين أفراد الأسرة، فضلًا عما قد ينشأ عن الاستخدام غير المنضبط من انتهاك للخصوصية أو علاقات عاطفية خارج الإطار المشروع، لكن المعالجة الرشيدة لا تقوم على رفض التقنية فى ذاتها، وإنما على ترشيد استخدامها، وتعزيز وعى الأسرة بحدودها وآثارها.
فالأسرة تحتاج إلى أن تمتلك مناعة قيمية ومعرفية تمكن أفرادها من التمييز بين الاستخدام النافع للتكنولوجيا والاستخدام الذى يمكن أن يمس خصوصيتهم أو استقرارهم النفسى والاجتماعى أو يضعف روابطهم الإنسانية، ومن هنا تصبح الفتوى شريكًا فى بناء الوعى، لا مجرد جهة تجيب عن الواقعة بعد وقوعها؛ لأن الوقاية من الخلل أيسر من معالجة آثاره.
المؤتمر يناقش تأثير جيل Z وجيل Alpha والخوارزميات فى منظومة القيم.. هل أصبحت هناك فجوة حقيقية بين الآباء والأبناء فى المرجعيات والقيم؟
– الفجوة بين الأجيال ليست ظاهرة مستحدثة، لكن الذى تغير اليوم هو سرعة التأثير واتساع مصادره؛ فالابن لم يعد يتلقى المعرفة والقيم من الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعى وحدها، وإنما يعيش فى فضاء رقمى مفتوح تتدفق إليه منه آلاف الرسائل والصور والأفكار، وهنا لا يكون التحدى الحقيقى فى مجرد وجود هذه المصادر، وإنما فى قدرة الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية على أن تمنح الأبناء معيارًا يستطيعون به التمييز والاختيار.
ولهذا فإن مواجهة ما يمكن أن نسميه «السيولة القيمية» لا تكون بالرفض المجرد للتغيير، وإنما ببناء منظومة قيم متماسكة تمنح الإنسان القدرة على التعامل الواعى مع المتغيرات.
والخطاب الإفتائى مطالب فى هذا السياق بأن يصل إلى الشباب ويخاطبهم باللغة التى يفهمونها، وقد بذلت دار الإفتاء الكثير من الجهود للوصول إلى الشباب، من خلال الاستفادة من منصات التواصل واللقاءات المباشرة والجامعات لبناء الوعى وتصحيح المفاهيم.
هل تحتاج قضايا الأسرة المعاصرة إلى نموذج جديد من الإفتاء التكاملى؟
– الأسرة منظومة إنسانية متكاملة، تتداخل فيها الأبعاد الشرعية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والسلوكية، ولذلك قد لا تكفى زاوية واحدة لفهم المشكلة فهمًا كاملًا، ومن هنا تأتى أهمية التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية وسائر التخصصات حين تقتضى طبيعة الحالة ذلك، فالمفتى لا يصبح طبيبًا نفسيًّا أو عالم اجتماع أو خبيرًا تقنيًّا، لكنه يحتاج إلى معرفة متى يستعين بأهل الاختصاص، وكيف يستفيد من خبراتهم فى تصور الواقعة وتقدير آثارها.
والتكامل هنا ليس ترفًا علميًّا، وإنما هو من مقتضيات الدقة فى الفتوى؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكلما كان التصور أكثر إحاطة بالواقعة كانت المعالجة أكثر قدرة على تحقيق مقاصدها.
وقد انعكس هذا التوجه عمليًّا فى اهتمام دار الإفتاء بالقضايا الأسرية من خلال برامج الإرشاد والتأهيل، وفى الاستعانة بالمتخصصين فى الجوانب النفسية والاجتماعية، إلى جانب اهتمامها بتأهيل المفتى لمواجهة المستجدات التقنية.
المؤتمر يستشرف مستقبل الأسرة والمؤسسات الإفتائية حتى عام 2050.. ما أكثر تحول تتوقعون أن يفرض نفسه على الأسرة المصرية والعربية خلال السنوات المقبلة؟
– من الصعب اختزال مستقبل الأسرة فى تحول واحد؛ لأننا أمام مجموعة من التحولات المتداخلة، وفى مقدمتها التحولات التقنية والقيمية والفكرية، الأمر الذى يفرض علينا جميعًا بناء أسرة تمتلك وعيًا معرفيًّا وقيميًّا، وتربية أبناء قادرين على التعامل مع التكنولوجيا بمسئولية، وإتاحة مؤسسات دينية تستطيع أن تقرأ المستجدات قبل أن تتحول إلى أزمات، فالمؤسسة الإفتائية تسعى دائمًا إلى تطوير أدواتها واستثمار ذلك فى إعداد المفتى الذى يجمع بين التأصيل الشرعى وفهم الواقع وإدراك المآلات، والاستفادة من التكنولوجيا فى تطوير العمل الإفتائى، مع التأكيد على أنها أداة مساعدة لا بديلًا عن الإنسان.
وقد قطعت دار الإفتاء بالفعل خطوات فى هذا الاتجاه؛ فمن ناحية اهتمت بتطوير برامج إعداد المفتين وتأهيلهم، ومن ناحية أخرى أَوْلَت التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى اهتمامًا مؤسسيًّا واضحًا، وصولًا إلى عقد المؤتمر الدولى العاشر للإفتاء حول «صناعة المفتى الرشيد فى عصر الذكاء الاصطناعي» العام الماضي.
وفى الجانب الأسرى، فإن استمرار برامج تأهيل المقبلين على الزواج والإرشاد الزواجى يمثل جانبًا عمليًّا من هذا الاستعداد؛ لأن الأسرة المستقبلية لا تُبنى فقط بمعالجة أزماتها، وإنما بإعداد أفرادها قبل دخول الحياة الزوجية وتزويدهم بالوعى اللازم للتعامل مع تغيراتها، فإذا أحسنا بناء الإنسان، ورسخنا داخل الأسرة مرجعية قيمية واضحة، وطوّرنا مؤسساتنا الإفتائية والعلمية بما يواكب العصر، أمكننا أن نستقبل التحولات المقبلة بوعى وثقة.
فالأسرة التى نريد أن نراها فى 2050 هى أسرة قادرة على التكيف مع المتغيرات دون أن تفقد هويتها، وقادرة على الاستفادة من التكنولوجيا دون أن تستبدل بها العلاقات الإنسانية، ومتمسكة بقيمها دون أن تنغلق عن العالم.
![]()
