تترقب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2026، باعتبارها اختبارا سياسيا حاسما قد يحدد شكل العامين الأخيرين من ولايته، ومدى قدرته على تمرير أجندته الداخلية وإدارة الملفات الخارجية، خاصة الحرب مع إيران ومستقبل الدعم الأمريكي لإسرائيل.

انتخابات التجديد النصفي
وفي ظل احتمالات خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ أو أحدهما، تبرز تساؤلات بشأن قدرة الكونجرس الديمقراطي على تقييد صلاحيات ترامب العسكرية، والضغط باتجاه إنهاء المواجهة مع طهران، فضلا عن تداعيات التحول المحتمل في موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية على معادلات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

خسارة الكونجرس تهدد أجندة ترامب وتوسع الرقابة على إدارته
وفي هذا السياق، قال الدكتور فرانك موسمار، الباحث المتخصص في السياسة الأمريكية وشؤون الشرق الأوسط، إن انتخابات التجديد النصفي تمثل اختبارا سياسيا ومؤسسيا بالغ الأهمية لترامب، إذ ستحدد إلى حد كبير قدرته على تمرير التشريعات خلال العامين الأخيرين من ولايته.

وأوضح موسمار أن خسارة الجمهوريين السيطرة على أحد مجلسي الكونجرس أو كليهما ستحد من فرص الإدارة في تمرير التشريعات الداخلية الكبرى، بما يشمل التعديلات الضريبية وإصلاحات الهجرة والرعاية الصحية وحزم الإنفاق، فضلا عن انتقال سلطة رئاسة اللجان وإجراء التحقيقات وجلسات الاستماع إلى الديمقراطيين.

وأضاف أن خسارة الحزب الحاكم في انتخابات التجديد النصفي غالبا ما تمثل مؤشرا على تراجع الرصيد السياسي للرئيس، بما يؤثر على قدرته على المناورة أمام الكونجرس والرأي العام والمانحين السياسيين والأطراف الدولية.

وأشار إلى أن ترامب قد يجد نفسه مضطرا للاعتماد بصورة أكبر على الأوامر التنفيذية واللوائح التنظيمية، وهي أدوات تظل عرضة للطعن القضائي أو الإلغاء من قبل إدارة رئاسية لاحقة، إلى جانب استخدام حق النقض الرئاسي في مواجهة التشريعات التي يقودها الديمقراطيون.

هل يقيد الكونجرس الديمقراطي قرارات ترامب العسكرية؟
وعلى صعيد السياسة الخارجية، أوضح موسمار أن الرئيس الأمريكي سيحتفظ بصلاحيات واسعة في إدارة العلاقات الخارجية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلا أن الكونجرس يمتلك أدوات دستورية وتشريعية يمكن استخدامها لتقييد تحركات الإدارة، وفي مقدمتها التحكم في التمويل والاعتمادات المالية والتشريعات المتعلقة بالعقوبات والتجارة، فضلا عن الرقابة على التعيينات وصفقات السلاح.

ولفت إلى أن قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973 يمنح الكونجرس أدوات للتدخل في استمرار العمليات العسكرية، إذ ينص على فترة تصل إلى 60 يوما للعمليات التي ينطبق عليها القانون، مع إمكانية تمديدها لفترة إضافية محدودة، رغم استمرار الجدل بشأن دستورية بعض آليات تطبيقه ومدى إلزاميتها.

وأضاف أن الكونجرس يستطيع استخدام سلطة الاعتمادات المالية لتقييد تمويل عمليات عسكرية محددة، أو رفض منح تفويض جديد باستخدام القوة العسكرية، أو إصدار تفويض يحدد النطاق الجغرافي والمدة والأهداف، إلى جانب توظيف التحقيقات وجلسات الاستماع والرقابة على صفقات السلاح لزيادة الضغوط على الإدارة.

لكنه شدد على أن هذه الأدوات لا تعني امتلاك الكونجرس سلطة مباشرة لإدارة العمليات العسكرية اليومية أو إصدار أوامر فورية بإنهائها، موضحا أن التأثير الأبرز للكونجرس يتمثل في رفع التكلفة السياسية والقانونية والمالية للعمليات العسكرية طويلة الأمد.

الحرب مع إيران بين التصعيد والبحث عن تسوية دبلوماسية
وفيما يتعلق بانعكاسات خسارة الجمهوريين للكونجرس على حسابات ترامب تجاه إيران، أشار موسمار إلى وجود اتجاهين تحليليين؛ الأول يرى أن تراجع الدعم السياسي وتزايد الرقابة البرلمانية واحتمالات فرض قيود على التمويل العسكري قد تدفع الرئيس الأمريكي إلى توخي الحذر قبل توسيع المواجهة أو الانخراط في عملية عسكرية طويلة ومكلفة.

أما الاتجاه الثاني، فيرى أن تعثر الأجندة التشريعية الداخلية قد يدفع ترامب إلى التركيز بصورة أكبر على السياسة الخارجية والصلاحيات التنفيذية والعسكرية، باعتبارها تمنحه مساحة أوسع للتحرك مقارنة بالملفات الداخلية.

وأوضح أن الضغوط السياسية والاقتصادية الناتجة عن استمرار الحرب، خاصة في حال ارتفاع أعداد الضحايا أو أسعار الطاقة، قد تدفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن مخرج دبلوماسي، لا سيما أن ترامب سيظل معنيا بحسابات الحزب الجمهوري واستحقاق الانتخابات الرئاسية لعام 2028.

وأضاف أن التوصل إلى اتفاق مع إيران قد يمنح ترامب فرصة لتقديم التسوية باعتبارها إنجازا سياسيا، إلا أن هذا المسار سيواجه ضغوطا معاكسة من أطراف قد تعتبر الاتفاق تراجعا عن المواقف الأمريكية أو إظهارا للضعف.

ومن جانبها، قالت إيرينا تسوكرمان، المحامية والمحللة السياسية الأمريكية المتخصصة في الأمن القومي، إن خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونجرس ستضعف قدرة ترامب على تمرير أجندته الداخلية، وتفتح المجال أمام توسيع التحقيقات والرقابة على إدارته، فضلا عن زيادة الضغوط المتعلقة بتمويل العمليات العسكرية.

وأوضحت تسوكرمان أن الهزيمة الانتخابية قد تدفع ترامب إلى أحد مسارين متعارضين؛ إما التصعيد العسكري مع إيران لإظهار القوة وتأكيد قدرته على إدارة الأزمات الخارجية، أو البحث عن اتفاق دبلوماسي يمكن تقديمه باعتباره إنجازا سياسيا يعوض تعثر أجندته الداخلية.

وحذرت من أن استمرار مواجهة عسكرية مطولة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ويزيد المخاطر على القواعد الأمريكية والمنشآت الخليجية والملاحة في مضيق هرمز، بما يجعل تكلفة الحرب أكثر تأثيرا على الحسابات السياسية والاقتصادية لواشنطن.

الدعم الأمريكي لإسرائيل.. استمرار المساعدات مع رقابة أكبر
وفيما يتعلق بمستقبل الدعم الأمريكي لإسرائيل حال سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس، أكد موسمار أن هناك دعما مؤسسيا قويا لإسرائيل داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بما يجعل استمرار أوجه التعاون العسكري والاستخباراتي أمرا مرجحا بغض النظر عن نتائج الانتخابات.

وأوضح أن هذا التعاون يشمل تمويل منظومات الدفاع الصاروخي، مثل القبة الحديدية ومقلاع داود، والتنسيق الاستخباراتي، إلى جانب إطار مذكرة التفاهم الممتدة لعشر سنوات بشأن المساعدات الأمنية الأمريكية لإسرائيل.

لكنه أشار إلى أن سيطرة الديمقراطيين قد تغير طبيعة النقاش داخل الكونجرس بشأن المساعدات العسكرية، مع تصاعد المطالبات بفرض شروط ورقابة أكثر صرامة تتعلق بالأوضاع الإنسانية وسياسات الاستيطان واستخدام الأسلحة الأمريكية.

وأضاف أن هذا التحول قد يصاحبه اهتمام أكبر بزيادة الدعم الإنساني للفلسطينيين، وتوسيع النقاش بشأن حل الدولتين والمسار الدبلوماسي، فضلا عن زيادة التدقيق في صفقات السلاح الكبرى التي تتطلب إخطار الكونجرس.

وفي السياق ذاته، رجحت تسوكرمان استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل حتى في حال انتقال السيطرة على الكونجرس إلى الديمقراطيين، لكنها أشارت إلى احتمالات زيادة الرقابة على المساعدات العسكرية وصفقات السلاح، خاصة فيما يتعلق بالعمليات الإسرائيلية في قطاع غزة.

الشرق الأوسط أمام سيناريوهين.. التصعيد أو إعادة تنشيط الدبلوماسية
وعن التداعيات الاستراتيجية المحتملة على الشرق الأوسط، يرى موسمار أن احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على الكونجرس قد يضمن استمرارية أكبر في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، من خلال مواصلة سياسة الضغط على إيران وتعزيز التنسيق مع إسرائيل ودول الخليج، مع تراجع القيود التشريعية على المساعدات العسكرية.

لكنه حذر من أن غياب الرقابة البرلمانية القوية قد يمنح الإدارة مساحة أوسع للتصعيد العسكري دون وجود مسار دبلوماسي واضح، بما يزيد احتمالات اتساع المواجهة إقليميا واضطراب أسواق النفط.

في المقابل، قد تفرض سيطرة الديمقراطيين إعادة توازن في السياسة الأمريكية، من خلال تعزيز دور الكونجرس في قرارات الحرب، والدفع نحو إطار دبلوماسي أكثر وضوحا للتعامل مع إيران، وتشجيع التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين والإقليميين.

إلا أن هذا السيناريو لا يخلو من المخاطر، إذ قد يؤدي الانقسام بين البيت الأبيض والكونجرس إلى إرسال إشارات متضاربة إلى الأطراف الإقليمية، بما يؤثر على حسابات الردع والثقة في الالتزامات الأمريكية، فضلا عن احتمالات تأخر التمويل الأمني الإضافي نتيجة الجمود التشريعي.

ومن جانبها، حذرت تسوكرمان من أن تراجع ثقة دول المنطقة في الالتزامات الأمريكية قد يمثل أحد أبرز التداعيات المحتملة للتحولات السياسية في واشنطن، مشيرة إلى أهمية الدور المصري في أي ترتيبات أمنية إقليمية، خاصة في ظل ارتباط تهديدات البحر الأحمر بأمن الملاحة في قناة السويس والاقتصاد المصري.

وتعكس هذه الرؤى أن نتائج انتخابات التجديد النصفي لن تحدد وحدها اتجاه السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، لكنها ستؤثر بصورة مباشرة على هامش المناورة المتاح أمام ترامب، وعلى طبيعة القيود السياسية والمالية المفروضة على قراراته.

وبين احتمالات استمرار سياسة الضغط والتصعيد، وفرص إعادة تنشيط المسار الدبلوماسي مع إيران، ستظل قدرة واشنطن على احتواء البرنامج النووي الإيراني ومنع اتساع المواجهة إلى لبنان والعراق ومضيق هرمز، فضلا عن الحفاظ على أمن الملاحة واستقرار المنطقة، من أبرز الاختبارات التي ستواجه الإدارة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني