كتب. هاني صيام
مع بداية العام الدراسي، تعود الشوارع إلى زحامها المعتاد؛ أطفالٌ في طريقهم إلى مدارسهم، وفتياتٌ وفتيانٌ يحملون حقائبهم، وأسرٌ تتحرك لقضاء احتياجاتها اليومية. وفي خضم هذا المشهد، تبرز بعض الظواهر التي تستحق وقفة جادة من أصحاب المحال والجهات المسؤولة والمجتمع بأكمله.
الصورة المرفقة ليست مجرد واجهة محل لبيع الملابس، وإنما مشهدٌ مفتوح على الشارع، تظهر فيه مانيكانات نسائية عارية تماماً، في مكان يمر أمامه يومياً أطفال في أعمار مختلفة.
والسؤال هنا ليس موجهاً ضد تجارة الملابس، ولا ضد استخدام المانيكانات في عرض المنتجات؛ فهذا أمر طبيعي ومشروع في الأصل، وإنما السؤال عن كيفية العرض ومكانه وحدوده.
هل من المقبول أن تكون مثل هذه المشاهد في مستوى نظر طفل ذاهب إلى مدرسته؟
هل نطالب أبناءنا بغض البصر والالتزام بالآداب العامة، ثم نضع أمام أعينهم في الطريق ما يناقض ما نعلمهم إياه؟
إن الطفل لا يملك دائماً القدرة على اختيار ما يراه، ولا يستطيع أن يغلق عينيه عن كل ما يحيط به في الشارع. ولذلك فإن مسؤولية المجتمع لا تقتصر على التربية داخل البيت والمدرسة، وإنما تمتد إلى البيئة البصرية التي نصنعها لأبنائنا في الشارع.
والأمر يصبح أكثر حساسية مع بداية الدراسة؛ فالأطفال والفتيات يقضون وقتاً طويلاً في الشوارع ذهاباً وإياباً، ويمرون أمام المحال التجارية بصورة متكررة. ومن حقهم أن يجدوا شارعاً يحترم أعمارهم، كما من حق الأسرة أن تطمئن إلى أن ما يقع أمام أبنائها لا يفرض عليهم فرضاً.
نحن لا ندعو إلى التضييق على أصحاب المحال، ولا إلى منع عرض الملابس، بل إلى قدر من المسؤولية والذوق العام: يمكن عرض المنتجات بطريقة لائقة، ويمكن استخدام المانيكانات مع تغطية الأجزاء الحساسة بما يحفظ الغرض التجاري، دون أن تتحول واجهة المحل إلى مشهد يخدش الحياء العام أو يحرج المارة، وخاصة الأطفال.
إن احترام الشارع ليس مسؤولية جهة واحدة؛
فصاحب المحل مسؤول، والأسرة مسؤولة، والمدرسة مسؤولة، والجهات المحلية والرقابية مسؤولة، والمجتمع كله مسؤول.
وفي النهاية، ليست القضية قضية مانيكانات فحسب، بل قضية سؤال أكبر:
أيُّ بيئةٍ نريد أن ينشأ فيها أطفالنا؟
فالشارع أيضاً مدرسة، وما تراه أعين أبنائنا اليوم قد يصبح جزءاً من وعيهم غداً.
ومن حق أطفالنا أن نربيهم على الجمال والاحترام والحياء، وأن يجدوا في واقعهم ما يعينهم على ذلك، لا ما يجعل مهمة التربية أكثر صعوبة.
إن كانت المدرسة تفتح أبوابها لأبنائنا مع بداية عامٍ دراسي جديد، فليفتح المجتمع معهم أبواباً للوعي والذوق والاحترام أيضاً.

Loading