في زمن اختلطت فيه المفاهيم، أصبح البعض يتعامل مع كل كلمة دفاع عن الوطن وكأنها مواقف سياسية موجهة من أجهزة الدولة، وأن كل من يتحدث عن ضرورة الحفاظ على استقرار الوطن كأنه يدافع عن الحكومة والسادة المسؤولين، دون النظر إلى أن مصر دولة كبيرة، ولديها مؤسساتها العريقة التي تواجه مخاطر وتحديات عظيمة وتستحق الوقوف معها.
لذلك فمن حقنا أن نسأل سؤالاً مهما بكل صراحة ووضوح:
هل أصبح الدفاع عن الدولة المصرية واستقرارها تهمة يعاقب عليها من يفعلها،

وهل أصبح المواطن الذي يخشى على وطنه من الفوضى والانقسام والتدخلات الخارجية مطالبًا بالصمت وتقديم اعتذار لأنه يحب بلده ويريد لها الأمن والاستقرار،
نحن هنا لا نتحدث عن الدفاع المفرط الذي يسبب حالة من الجدل، ولا عن التبرير غير المسؤول لقرارات خاطئة.
نحن نتحدث عن شيء أكبر وأهم بكثير من الحكومات والأشخاص.
نحن نتحدث عن «الدولة المصرية».. نتحدث عن وطن كبير يجمعنا جميعا تحت راية واحدة.
الدولة المصرية العريقة، صاحبة الحضارة والتاريخ الممتد لآلاف السنين، والتي مرت عليها ممالك وإمبراطوريات وحكام وأنظمة سياسية مختلفة، ومع ذلك بقيت مصر منارة الأمة العربية والشرق، رافعة رايتها بصلابة وقوة أبنائها الشرفاء.
ومن هنا، عزيزي المواطن، يجب أن نفرق بين الدولة والحكومة، وبين الوطن والمسؤول.

نعم.. من حق المواطن أن ينتقد الحكومة، ومن حقه أن يسأل عن الأسعار، وعن السكن، وعن التعليم، وعن الصحة، وعن فرص العمل، وعن الخدمات، وعن القرارات التي تمس حياته اليومية.
ومن حقه أيضا أن يقول: هذه القرارات تحتاج إلى مراجعة، وأن هذه السياسة لم تحقق النتائج المطلوبة.
ولكن في الوقت نفسه، فإن الدفاع عن الدولة واستقرارها ليس جريمة، والحرص على أمن الوطن ليس انحيازآ لأحد، والوقوف ضد محاولات إسقاط مؤسسات الدولة أو نشر الفوضى ليس عيبا، بل هو شرف ما بعده شرف.
فماذا سيحدث، عزيزي المواطن، إذا غاب هؤلاء الرجال الشرفاء المدافعون عن الوعي الوطني، وفقدت الدولة استقرارها ووحدة جبهتها الداخلية الصلبة العصية على الانكسار

ومن الذي سيدفع ثمن هذه الفوضى في النهاية،
هل تعلم أنه أنت يا عزيزي المواطن؟ لأنك أنت الهدف الرئيسي بالفعل.
وما شهدته مصر في أحداث يناير 2011 وما أعقبها من أحداث وتداعيات ليس عنا ببعيد، وما زالت آثار تلك المرحلة حاضرة في ذاكرتنا رغم مرور السنين، وندفع ثمنها جميعاً دون استثناء حتى يومنا هذا.
فالفوضى لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين مؤيد ومعارض، ولا بين مسؤول ومواطن.

وعندما تسقط هيبة الدولة، فإن أول من يدفع الثمن هو المواطن البسيط، الذي يبحث عن الأمان في الشارع، وعن لقمة العيش في العمل، وعن مستقبل أبنائه في دولة آمنة مستقرة.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن استقرار الدولة لا يعني الصمت عن المشكلات والقرارات غير المسؤولة، وإنما يعني أن نبحث جميعاً عن حلول بناءة وبهدوء.

فهناك فرق كبير بين المعارضة الوطنية البناءة، وبين الدعوة لهدم الدولة وإحداث الفوضى من أجل مصالح شخصية أو مناصب زائلة.
هناك فرق كبير بين من يقول للمسؤول: هذا القرار لم يحالفه الصواب ويستحق إعادة النظر فيه، وبين من يقول للمواطن: إن المشكلة في الدولة ونظامها، دون أن يدرك أن الدولة هي الجميع: المواطنون والمسؤولون والمؤسسات والأرض.

وهناك فرق أيضًا بين المطالبة بالإصلاح وبين الدعوة إلى الفوضى والخراب.
نحن في هذه المرحلة الحرجة بحاجة إلى وحدة الصف، ونشر الوعي الوطني، وبث روح الأمل والتفاؤل فيما هو قادم، فالأمل دائماً موجود بإذن الله تعالى وقدرته.

كما أننا في حاجة ماسة إلى أصوات عاقلة تقول الحقيقة، وتشرح المشكلات بكل أبعادها، ولكن في الوقت نفسه عليها أن تضع مصلحة مصر فوق أي خلاف.
فليس كل من ينتقد سياسات الحكومة خائنآ، وليس كل من يدافع عن الدولة المصرية منافقآ، كما يروج البعض ممن يخلطون بين النقد المشروع والدفاع عن الوطن.

عزيزي المواطن.. بكل حب وصدق، كلنا جميعاً في مركب واحدة، وكلنا نعاني مما تعاني، ونختلف مع بعض السياسات الاقتصادية الحالية.
ولكن لا تسمح لأحد أن يقنعك بأن حب الوطن والدفاع عن استقراره عمالة للنظام ونفاق للحاكم.
ولا تسمح في الوقت نفسه لأحد أن يقنعك بأن الوطنية تعني أن تكره وطنك إذا كنت غاضبآ من أداء الحكومة وقراراتها.
فالوطن أكبر من الحكومة، والدولة أكبر من أي مسؤول، ومصر أكبر من كل الخلافات السياسية.
نعم، الجميع يعاني من قرارات الإصلاح ونريد حلولًا عاجلة.
نعم، نريد قرارات تراعي البعد الاجتماعي وترفع الضغوط عن كاهل الأسرة التي تحملت الكثير والكثير منذ سنوات عديدة.

نعم، نريد مواجهة الفساد والاحتكار والاستغلال بقرارات سريعة وملموسة.

نعم، نريد مسؤولاً يستمع لشكاوى المواطنين ويعمل جاهداً على إزالة أسباب الشكاوى.

ولكننا نريد أيضاً أن يتم تنفيذ كل هذه المطالب من داخل دولة مستقرة، لأن الإصلاح يحتاج إلى قرارات الدولة، والعدالة الاجتماعية تحتاج إلى مؤسسات الدولة، وحماية حقوق المواطن البسيط تحتاج إلى دولة قوية.
ومن أجل هذا، فإن الدفاع عن استقرار الدولة المصرية الحبيبة ليس تهمة، والحرص على مؤسسات الدولة الوطنية العريقة ليس جريمة، والوقوف ضد الفساد والفوضى واجب وطني، والدفاع عن حقوق المواطن التزام أخلاقي.
بل إن الوطنية الحقيقية هي أن تمتلك الشجاعة لتقول الحقيقة بكل وضوح، وأن تمتلك الحكمة في الوقت نفسه، حتى لا تتحول الحقيقة إلى أداة للنزاع والفرقة وهدم الوطن.

وفي النهاية، عزيزي المواطن..«أنت الهدف»

فلا تجعل غضبك من قرار أو مسؤول يجعلك هدفاً سهلاً لمن يريد استخدامك في معركة لها أهداف خبيثة.
عزيزي المواطن.. انتقد كما شئت، وطالب واسأل واعترض كما تشاء، ولكن لا تسمح لأحد أن يسرق منك وطنك تحت أي شعارات رنانة ووعود براقة زائفة.
عزيزي المواطن، صاحب الحضارة والتاريخ العريق، وصاحب المواقف الوطنية المشرفة التي أذهلت العالم وما زالت.. أحذرك ونفسي من كهنة كل العصور، أصحاب المصالح الضيقة، الذين يضعون السم في العسل، ولا يرون في الوطن إلا وسيلة لتحقيق أهدافهم.

فمصر ليست حكومة ولا مسؤولاً يمكن تغييره، وليست قرارا يمكن تعديله في أي وقت.
مصر وطن.. والوطن هو أنت في المقام الأول والأخير،
ومن أجل مصر ورفعتها، علينا جميعاً أن ننحي كل الخلافات جانباً في ظل الظروف الراهنة والتحديات التي تواجه الوطن.
فمصر تستحق أن تكون فوق الجميع، ومصلحة مصر يجب أن تبقى فوق كل خلاف، مهما كانت الأسباب.
حفظ الله الوطن.. وتحيا مصر بوحدتها دائماً وأبدأ

Loading