تتجه الأنظار نحو التحركات الدبلوماسية والاقتصادية المكثفة التي تقودها الدولة المصرية في عمق قارة آسيا عبر جولة استراتيجية بارزة تشمل محطات حيوية متعددة, حيث تحظى العلاقات بين مصر وكوريا الجنوبية بمكانة محورية في توجيه دفة السياسة الخارجية نحو تنويع الشراكات الاقتصادية والصناعية الكبرى بعيداً عن فخ الاستقطاب الدولي التقليدي, وهو ما يعكس رغبة حقيقية في بناء ركائز صلبة للاقتصاد الوطني تعتمد على توطين التكنولوجيا الحديثة وجذب الاستثمارات النوعية العابرة للحدود, مما يجعل من هذه الزيارة نقطة مفصلية في مسار التعاون الثنائي المشترك بين البلدين الصديقين.
تمثل زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الكورية سول محطة بالغة الأهمية لتطوير أطر التعاون المشترك والارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة, خصوصاً أن العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين مصر وكوريا الجنوبية قد أُسست في الثالث عشر من شهر أبريل لعام ألف وتسقمائة وخمسة وتسعين, وشهدت منذ ذلك التاريخ تطوراً تدريجياً ثابتاً في مختلف القطاعات التجارية والاقتصادية والتعليمية والتكنولوجية, لتأتي زيارة مارس عام ألفين وستة عشر وتشكّل نقلة نوعية كبرى عبر التوقيع على حزمة اتفاقيات ومذكرات تفاهم شملت مجالات الصناعة والنقل والموانئ والتعليم العالي إلى جانب حزمة تمويلية كبرى بلغت ثلاثة مليارات دولار.
جذور التعاون الاقتصادي والشراكة الاستراتيجية
لم يقتصر التعاون المشترك على حدود التبادل التجاري التقليدي بفضل الرؤية الواعية للقيادة السياسية التي سعت جاهدة لإدخال الخبرات الكورية المتقدمة إلى قلب عملية التصنيع المحلي داخل الأراضي المصرية, حيث عكست زيارة مصنع سامسونج التاريخية عام ألفين وستة عشر رغبة أكيدة في نقل التكنولوجيا وتطوير صناعات الإلكترونيات وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي, ليتكامل الموقع الجغرافي العبقري لمصر ومحور قناة السويس مع القدرات التكنولوجية والصناعية الضخمة التي تمتلكها كوريا الجنوبية في فتح أفاق واسعة أمام الشركات العالمية للوصول بسهولة إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا وفق قواعد الإنتاج والتصدير المتكامل.
تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية المصرية أن محفظة التعاون الإنمائي الجاري بين مصر وكوريا الجنوبية قد تجاوزت حاجز المليار وثلاثمائة مليون دولار موزعة على قطاعات حساسة تشمل النقل الذكي والطاقة والتدريب المهني والتحول الرقمي, بينما سجل حجم التبادل التجاري بين البلدين أرقاماً متنامية بلغت نحو مليار وستمائة مليون دولار, إلى جانب وجود مئة وواحد وسبعين شركة كورية كبرى تعمل بفاعلية داخل السوق المصرية في قطاعات التصنيع والطاقة والإلكترونيات والنقل العملاق مثل سامسونج وإل جي وهيونداي روتم التي تقود مشروعات استراتيجية كبرى لتوطين صناعة عربات مترو الأنفاق بقيمة تصل إلى نحو مليار وستمائة مليون دولار.
آفاق التصنيع والتصدير والانطلاق نحو الأسواق العالمية
تؤكد المؤشرات الحكومية الحديثة أن حجم الإنتاج السنوي للشركات الكورية العاملة في مصر قد تخطى حاجز المليار ونصف المليار دولار, مع توجيه نحو ثمانين بالمئة من هذا الإنتاج الضخم لتلبية احتياجات سبع وأربعين دولة حول العالم عبر الم موانئ المصرية, وهو ما يؤكد نجاح الاستراتيجية المصرية في تحويل مصر إلى قاعدة إنتاج وتصدير إقليمية وعالمية لا تقتصر على الاستهلاك المحلي فقط, بل تمتد لتشمل إعداد كوادر بشرية وعمالة فنية مدربة على أحدث نظم التكنولوجيا من خلال اتفاقيات المنح التنموية لتحديث مراكز التدريب المهني وصيانة المركبات الكهربائية وحديثة التقنية.
تأتي جولة الرئيس السيسي الحالية في أكتوبر عام ألفين وستة عشر لتتوج سنوات طويلة من العمل الدؤوب وتعميق الروابط المشتركة عبر عقد مباحثات قمة موسعة وموائد مستديرة مع رؤساء كبرى الشركات العالمية في سيول, بهدف جذب المزيد من الاستثمارات النوعية وتوسيع نطاق اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين, بما يضمن إزالة الحواجز التجارية وتعظيم الاستفادة القصوى من سلاسل الإمداد العالمية وتأمين مسارات التجارة الدولية في مواجهة التحديات والأزمات الطاحنة التي يشهدها العالم الحديث.
![]()
