كتبت /إيمان جوده

هناك نوع من البشر يعيش في عالم صنعه لنفسه، يرى أنه صاحب الفضل في كل شيء، وأنه وراء كل نجاح، وأن كل خطوة يخطوها الآخرون ما هي إلا نتيجة لوجوده ودعمه وتوجيهاته. تجده دائمًا يردد: أنا فعلت، أنا أنجزت، أنا السبب، أنا اللي وصلت، أنا اللي عملت وسويت، وكأن الحياة بدأت من عنده، وكأن كل من حوله مجرد أشخاص لا قيمة لهم إلا بوجوده!

وهنا يأتي السؤال: هل كل من يتحدث كثيرًا عن إنجازاته يكون فعلًا صاحب إنجاز؟ وهل كل من يرفع صوته بكلمة «أنا» يمتلك من الأفعال ما يبرر كل هذا الغرور؟

الحقيقة أن هناك فرقًا كبيرًا بين الثقة بالنفس والغرور، وبين الإنسان الذي يعرف قيمة نفسه، والإنسان الذي يحاول إقناع الجميع بأنه أكبر من حجمه الحقيقي.

الثقة بالنفس أن تعرف ما تملك من قدرات، أما الغرور فهو أن تتوهم أنك تملك كل شيء، وأن الآخرين لا شيء.

حين يصبح الفضل الشخصي حكاية من نسج الخيال

المشكلة ليست في أن يفتخر الإنسان بإنجازه، ولا في أن يفرح بما حققه بعد تعب واجتهاد، فكل إنسان من حقه أن يعتز بعمله. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يعتمد الإنسان على جهود الآخرين، ويستند إلى خبراتهم وعلاقاتهم ومساعدتهم، ثم يأتي في النهاية لينسب كل شيء إلى نفسه، وكأنه وحده من صنع النجاح، وكأن الآخرين لم يقدموا شيئًا!

ينسى من وقف بجانبه في وقت الحاجة، ويتجاهل من مد له يد العون، ويتناسى من فتح أمامه الأبواب، ثم يتحدث أمام الناس وكأنه البطل الوحيد في الحكاية.

والأغرب أنه قد يصدق روايته مع مرور الوقت، فينسى أن هناك من تعب معه، ومن ساند خطواته، ومن تحمل عنه أعباء كثيرة، حتى أصبح في المكان الذي يتباهى به اليوم.

ليس عيبًا أن تستعين بالآخرين، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى غيره، ولكن العيب الحقيقي أن تستعين بهم في طريق النجاح، ثم تتصرف وكأنك وصلت وحدك!

فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المرات التي تقول فيها «أنا»، ولا بعدد الأشخاص الذين تحاول إقناعهم بأنك صاحب الفضل، وإنما يُقاس بحجم ما قدمته فعلًا، وبالأثر الذي تركته، وبقدرتك على الاعتراف بفضل كل إنسان ساهم في رحلتك.

الغرور يبدأ عندما ينسى الإنسان حجمه الحقيقي

بعض الأشخاص لا يكتفون بالمبالغة في الحديث عن أنفسهم، بل يبدأون تدريجيًا في النظر إلى الآخرين نظرة دونية، وكأنهم وحدهم أصحاب الفكر والرأي والقدرة على الإنجاز.

يتحدثون وكأنهم يعرفون كل شيء، ويفهمون كل شيء، ويستطيعون فعل كل شيء، بينما الحقيقة أن كثيرًا من خطواتهم لم تكن لتكتمل لولا وجود أشخاص آخرين بجانبهم.

والمؤسف أن بعضهم يتعامل مع من ساعدوه وكأن مساعدتهم كانت واجبًا عليهم، وليس فضلًا يستحق التقدير والاعتراف.

يتغير أسلوبه، وتتبدل كلماته، وتختفي منه روح التقدير، وكأن الوصول إلى مكانة معينة يمنحه الحق في التقليل من الآخرين أو تجاهل دورهم.

وهنا تظهر حقيقة الإنسان؛ ليس في الطريقة التي يتعامل بها مع من يحتاج إليهم، ولكن في الطريقة التي يتعامل بها مع من ساعدوه بعدما أصبح لا يحتاج إليهم كما كان من قبل.

الأصل لا يتغير بتغير المكانة، والتربية الحقيقية لا تسقط عندما يصفق لك الناس، والتواضع لا ينتهي بمجرد أن تحقق نجاحًا.

«أنا وأنا وأنا».. وماذا عن الذين صنعوا معك الطريق؟

هناك من يتحدث عن نفسه طوال الوقت، يروي إنجازاته في كل مجلس، ويكرر قصص نجاحه وكأنه يريد أن يثبت للجميع أنه لا مثيل له.

لكنه عندما يتحدث عن الآخرين، يتجاهل أدوارهم، ويقلل من مجهوداتهم، وربما يتحدث عنهم من خلف ظهورهم، وينسى أن الأيام تكشف ما تخفيه الكلمات، وأن المواقف دائمًا أصدق من الادعاءات.

والسؤال هنا: إذا كنت فعلًا صاحب كل هذا الفضل، فلماذا تحتاج إلى التقليل من الآخرين حتى تظهر؟ وإذا كنت واثقًا من قدراتك، فلماذا تشعر بالحاجة المستمرة إلى إثبات أنك الأفضل والأهم والأكثر تأثيرًا؟

الإنسان الذي يعرف قيمته لا يحتاج إلى إلغاء قيمة غيره، والإنسان الذي يمتلك إنجازًا حقيقيًا لا يخشى الاعتراف بإنجازات الآخرين.

أما من يرى أن الاعتراف بفضل غيره يقلل من مكانته، فهو لم يفهم بعد أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى إنكار جهود الناس حتى تظل عظيمة.

من لا يستطيع أن يعترف بفضل الآخرين، لا ينقص من قيمتهم، بل يكشف الكثير عن نفسه.

الحديث من وراء الظهور لا يصنع قوة

ومن الصفات التي تكشف ضعف العلاقات الإنسانية أن تجد شخصًا يتحدث أمامك بوجه، ثم يتحدث عنك من خلف ظهرك بوجه آخر، ويظهر في حضورك بصورة مختلفة تمامًا عن الصورة التي يرسمها في غيابك.

يتحدث عن الأخلاق، بينما أفعاله لا تشبه ما يقوله، ويتحدث عن الوفاء، بينما يتجاهل فضل من وقفوا بجانبه، ويتحدث عن النجاح، بينما ينشغل بتقليل نجاحات الآخرين.

وهنا لا بد أن نفهم أن الكلام عن الناس لا يمنح صاحبه قيمة إضافية، وأن التقليل من جهود الآخرين لا يجعل إنجازاته أكبر، وأن تشويه صورة إنسان لن يجعل صورتك أكثر إشراقًا.

فمن أراد أن يرتفع، فليجتهد في عمله، ومن أراد أن يثبت نفسه، فليترك أفعاله تتحدث عنه، ومن أراد احترام الناس، فليتعلم كيف يحترمهم حتى في غيابهم.

ليس مطلوبًا منك أن تمدح الجميع، ولا أن توافق على كل شيء، لكن المطلوب ألا تنكر حقيقة، وألا تنسب لنفسك ما ليس لك، وألا تجعل اختلافك مع الآخرين سببًا في الانتقاص منهم.

النجاح لا يصنعه شخص واحد دائمًا

لا أحد يعيش في هذه الحياة بمعزل عن الآخرين. قد يكون هناك شخص يمتلك الفكرة، وآخر يملك الخبرة، وثالث يقدم الدعم، ورابع يفتح بابًا كان مغلقًا، وخامس يقف بجوارك عندما تتعثر.

وهكذا تتكامل الأدوار، وتُبنى النجاحات، ويصبح لكل شخص بصمته التي لا يمكن إنكارها.

وفوق كل ذلك، يظل فضل الله هو الأصل الذي نستمد منه القوة والتوفيق والقدرة على السعي.

فلماذا يتعامل بعض الناس مع النجاح وكأنه ملكية شخصية لا يحق لأحد الاقتراب منها؟ ولماذا ينسون أن الاعتراف بجهود الآخرين لا ينتقص منهم، بل يزيدهم احترامًا في عيون الناس؟

الإنسان الواعي يعرف أن الشكر لا يقلل من قدره، وأن الوفاء لا ينتقص من مكانته، وأن كلمة «شكرًا» قد تكشف عن أخلاق عظيمة أكثر مما تكشف عنه عشرات الخطب عن النجاح والقيادة.

ومن الجميل أن تقول: نجحت بفضل الله، وساعدني أشخاص أقدر جهودهم، ووقف بجانبي أناس لن أنسى فضلهم.

هذه الكلمات لا تقلل منك، بل تعبر عن نضجك، وتثبت أنك تعرف قيمة نفسك وقيمة من حولك.

لا تجعل نجاحك المؤقت يصنع منك إنسانًا آخر

قد يصل الإنسان إلى مكانة جيدة، وقد ينجح في عمله، وقد يحظى بتقدير الناس واحترامهم، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يشعر أن له قيمة وتأثيرًا.

هل سيزداد تواضعًا؟ أم سيزداد غرورًا؟

هل سيتذكر من وقفوا بجانبه؟ أم سينكر فضلهم؟

هل سيحافظ على علاقاته باحترام ووفاء؟ أم سيعتقد أن الجميع أصبحوا أقل منه؟

هذه الأسئلة هي التي تكشف حقيقة الإنسان، لأن الوصول إلى القمة ليس نهاية الطريق، بل بداية اختبار جديد للأخلاق والمبادئ.

فكم من إنسان ارتفع قدره لأنه تواضع، وكم من إنسان خسر محبة من حوله لأنه اعتقد أن مكانته تمنحه الحق في التعالي عليهم.

ولا تنسَ أن المناصب تتغير، والظروف تتبدل، والوجوه تتغير، وما تملكه اليوم قد لا تملكه غدًا، لكن ما تتركه في قلوب الناس من احترام أو استياء هو ما يصنع صورتك الحقيقية في ذاكرتهم.

لذلك، لا تتعامل مع الناس وكأنك لن تحتاج إليهم مرة أخرى، ولا تنظر إلى من ساعدك يومًا على أنه أصبح أقل منك، ولا تظن أن نجاحك يمنحك الحق في نسيان البدايات.

فالحياة لا تسير على وتيرة واحدة، ومن يعرف قيمة الناس في وقت قوته، يكون أقدر على الحفاظ على إنسانيته في كل الظروف.

التواضع قوة.. والغرور وهم كبير

التواضع لا يعني أن تقلل من نفسك، ولا أن تنكر نجاحك، ولا أن تسمح لأحد بالتقليل من قيمتك. التواضع أن تعرف قدر نفسك دون مبالغة، وأن تعترف بقدراتك دون ادعاء، وأن تحترم الآخرين دون أن تشعر بأن احترامك لهم ينتقص منك.

أما الغرور، فهو أن تنظر إلى نفسك من زاوية مبالغ فيها، وأن تتعامل مع الآخرين وكأنهم مجرد أدوات لتحقيق أهدافك، وأن تعتقد أن كل نجاح مر بك هو من صنعك وحدك.

والفرق بين الاثنين كبير فالمتواضع يكبر في أعين الناس بأخلاقه، أما المغرور فقد يكبر في عيني نفسه، لكنه يخسر بالتدريج احترام من حوله.

ولا تخلط بين الصمت والضعف، ولا بين التواضع وقلة الحيلة، ولا بين احترام الآخرين وعدم معرفة قيمتك.

فمن حقك أن تفتخر بما قدمته، ومن حقك أن تحافظ على كرامتك، لكن ليس من حقك أن تمحو فضل الآخرين أو تنسب لنفسك ما لم تصنعه.

وفي الختام

إلى كل إنسان يعتقد أنه صاحب الفضل في كل شيء، وأن الآخرين لم يقدموا له شيئًا، تذكر أن الحقيقة لا تتغير لمجرد أنك رويتها بطريقة مختلفة، وأن تكرار الحديث عن الإنجازات لا يصنع إنجازًا، وأن رفع الصوت بكلمة «أنا» لا يجعل منك إنسانًا عظيمًا.

راجع نفسك قبل أن تحاسب الآخرين، وتذكر من وقفوا بجانبك قبل أن تتحدث عن نجاحك، وانظر إلى أفعالك قبل أن تنشغل بتقييم أفعال الناس.

فليس كل من يتحدث عن نفسه عظيمًا، وليس كل من يلتزم الصمت بلا إنجاز، وليس كل من يصفق لك يحبك، وليس كل من يختلف معك يقلل من قيمتك.

العظمة الحقيقية أن تنجح دون أن تتكبر، وأن تصل دون أن تنكر فضل من ساعدوك، وأن تختلف دون أن تسيء، وأن تظل إنسانًا محترمًا مهما تغيرت مكانتك.

وتذكر دائمًا أن من صنع نجاحًا حقيقيًا لا يحتاج إلى أن ينتقص من نجاح الآخرين، ومن يمتلك قيمة حقيقية لا يحتاج إلى أن يرفع نفسه فوق الجميع، ومن يعرف فضل الله عليه لا يتعامل مع نعمته وكأنها دليل على أنه أفضل من سواه.

فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، والفضل لا يحتاج إلى سرقة، والاحترام لا يُفرض بالغرور، والمكانة لا تُصنع بكثرة الحديث عن النفس، بل بما تقدمه من أفعال ومواقف وأخلاق.

وأخيرًا، لا تجعل كلمة «أنا» تطغى على كل شيء، ولا تنسَ أن وراء كل حكاية نجاح تفاصيل لا يعرفها الجميع، وأن بعض الأيادي التي ساعدتك تستحق الشكر، لا الإنكار، وأن بعض الأشخاص الذين تجاهلت فضلهم كانوا جزءًا من الطريق الذي تتباهى اليوم بأنك صنعته وحدك.

فالذي يعرف قيمته لا يحتاج إلى أن يقنع الناس بعظمته كل يوم، والذي يمتلك إنجازًا حقيقيًا لا يخشى أن يمنح الآخرين حقهم، أما من ينسب كل شيء إلى نفسه، فقد ينجح في كتابة روايته كما يشاء، لكنه لن يستطيع أن يفرضها على ذاكرة الناس إلى الأبد.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني