كتبت / إيمان جوده

كنت أعتقد أن الحديث عن تزويج الفتيات الصغيرات من رجال يكبرونهن بعشرات السنين أصبح مجرد حكايات من زمن مضى حكايات كنا نسمعها ونستنكرها، ثم نقول: «دي كانت أيام زمان».
لكن الحقيقة المؤلمة أن بعض هذه الممارسات لم تختفِ تمامًا، وما زالت هناك فتيات صغيرات يجدن أنفسهن أمام زيجات لا تتناسب مع أعمارهن ولا مع أحلامهن، بينما تتحول الحاجة المادية لدى بعض الأسر إلى باب لاستغلال بناتهن.
المؤلم أكثر أن نسمع عن فتاة لم تتجاوز السابعة عشرة، تُدفع إلى الزواج من رجل في الثمانين أو التسعين، وكأن فارق العمر الهائل لا يعني شيئًا، وكأن مشاعرها وأحلامها وحقها في اختيار مستقبلها أمور يمكن تجاوزها مقابل المال.
وهنا يجب أن نتوقف ونسأل بكل صراحة:
متى أصبح الزواج صفقة؟ ومتى تحولت البنت من إنسانة لها أحلام وطموحات إلى مقابل مادي تتنافس عليه الأسر؟
أنا لا أتحدث هنا عن جنسية بعينها، ولا أتهم شعبًا أو مجتمعًا بأكمله؛ فهناك رجال محترمون من كل الجنسيات، وهناك أيضًا ممارسات خاطئة يمكن أن تحدث في أي مجتمع.
لكنني أتحدث عن الاستغلال، وعن تلك الحالات التي يصبح فيها المال هو العامل الأساسي في تقرير مصير فتاة صغيرة، وعن أسر قد ترى في زواج ابنتها من رجل كبير في السن فرصة للحصول على المال، بينما لا أحد يسأل الفتاة:
هل أنتِ موافقة؟ هل أنتِ سعيدة؟ هل تستطيعين تحمل هذه الحياة؟ وهل هذا هو المستقبل الذي تتمنينه لنفسك؟
البنت ليست وسيلة لسداد الديون، وليست مصدرًا لتحسين الظروف المعيشية، وليست سلعة تُباع لمن يدفع أكثر.
البنت أمانة.
ومن أقسى ما يمكن أن تتعرض له فتاة أن تجد أقرب الناس إليها، وهم أهلها، هم من يدفعونها إلى طريق لم تختره، ثم يطلبون منها أن تعتبر ذلك «نصيبًا» أو «فرصة».
نعم، الزواج نصيب، لكن النصيب لا يعني إلغاء الإرادة، ولا يعني أن تتحول الحاجة إلى وسيلة للضغط على فتاة صغيرة حتى تقبل بما لا تريده.
هناك فرق كبير بين زواج قائم على الرضا والاحترام والتكافؤ، وبين علاقة يكون فيها المال هو الدافع الأساسي، وفارق السن والقوة والاحتياج يجعل الطرف الأصغر عاجزًا عن الدفاع عن اختياره.
والأخطر أن الفتاة قد تدخل هذه الحياة وهي لا تزال في بداية تكوين شخصيتها، ثم تجد نفسها فجأة أمام مسؤوليات أكبر من عمرها، بعيدًا عن التعليم، وبعيدًا عن أحلامها، وقد تعيش سنوات طويلة وهي تحمل سؤالًا في داخلها:
ماذا كان سيحدث لو تركوني أختار حياتي بنفسي؟
الفقر مشكلة حقيقية، والاحتياج قاسٍ، وهناك أسر تعاني ظروفًا لا يعلمها إلا الله، لكن علاج الفقر لا يكون ببيع مستقبل فتاة.
إذا كانت الأسرة محتاجة، فالمجتمع والدولة والمؤسسات والجمعيات مطالبة بدعمها، وفتح أبواب العمل والتعليم والحماية الاجتماعية أمامها، لا أن يكون الحل على حساب فتاة صغيرة.
والأمر لا يتعلق بالفتاة وحدها، بل بمستقبل مجتمع كامل.
لأن المجتمع الذي يحمي بناته، ويضمن لهن التعليم والاختيار والأمان، هو مجتمع يحمي مستقبله.
أما أن نغض الطرف عن استغلال الصغيرات، ونعتبر الأمر مجرد «زواج» لأن هناك عقدًا ومهرًا، فهذا لا يحل المشكلة.
نحن بحاجة إلى وعي حقيقي، وإلى تطبيق القانون، وإلى حماية كل فتاة من أي استغلال أو إكراه، وإلى أن تفهم كل أسرة أن كرامة ابنتها ومستقبلها أغلى من أي مبلغ من المال.
وأقولها بكل وضوح:
لا تبيعوا بناتكم للفقر، ولا تبيعوا طفولتهن للمال، ولا تجعلوا الحاجة سببًا في ضياع العمر.
البنت التي تربيها اليوم على الكرامة، قد تكون غدًا أمًا تربي جيلًا كاملًا.
فلا تجعلوا أول درس تتعلمه في الحياة أن الإنسان يمكن أن يكون له سعر.
كنت أظن أن هذه المشاهد أصبحت من الماضي…
لكن إذا كانت لا تزال موجودة، ولو في حالات محدودة، فواجبنا ألا نصمت.
ليس من أجل التشهير بأحد، وليس من أجل مهاجمة جنسية أو مجتمع، وإنما من أجل كل فتاة صغيرة تستحق أن تعيش طفولتها، وتتعلم، وتحلم، وتختار مستقبلها بكرامة وأمان.
فالزواج مشاركة وحياة، وليس صفقة…
والبنت إنسانة، وليست سلعة لمن يدفع أكثر.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني