كتبت /إيمان جوده

في الرابع من نوفمبر من كل عام، يحتفل المصريون بعيد الحب، وتنتشر الورود الحمراء والهدايا ورسائل الغرام، ويتبادل الناس عبارات الحب والاهتمام. لكن وسط كل هذه المظاهر، يظل هناك سؤال مهم: هل الحب مجرد يوم نحتفل به، أم أنه إحساس يجب أن نعيشه كل يوم؟
الحب ليس كلمة تُقال في لحظة عاطفية، ولا صورة تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا هدية تُقدم لتنتهي قيمتها بانتهاء المناسبة. الحب الحقيقي أعمق من ذلك بكثير؛ إنه أمان، واحتواء، واهتمام، وصدق، واحترام، وتقدير.
الحب أن تجد إنسانًا يراك في أسوأ حالاتك ولا يتخلى عنك، يسمع صمتك قبل كلامك، يشعر بتعبك دون أن تضطر إلى الشكوى، ويقف بجانبك عندما تضيق بك الحياة. الحب أن تكون حاضرًا في حياة من تحب، لا مجرد اسم في قائمة أصدقائه أو شخص يظهر وقت المصلحة ويختفي وقت الحاجة.
الحب مش كلام حلو وخلاص.. الحب مواقف بتثبت مين بجد ومين مجرد كلام.
وليس الحب مقتصرًا على العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة، فهناك حب أعظم وأوسع من ذلك؛ حب الأم التي تمنح دون انتظار مقابل، وحب الأب الذي يتعب ليؤمّن مستقبل أبنائه، وحب الأبناء لوالديهم، وحب الأخوة، ووفاء الأصدقاء، ورحمة الإنسان بالإنسان.
أما الحب بين الزوجين، فهو ليس مجرد مشاعر في بداية العلاقة، بل هو مسؤولية مشتركة، ومودة ورحمة، واحترام متبادل. أن يتحمل كل طرف الآخر في أوقات الضعف، وأن تكون الكلمة الطيبة حاضرة حتى وقت الخلاف، وألا يتحول الاختلاف إلى إهانة أو جرح أو تقليل من قيمة الآخر.
ومن المؤسف أننا نعيش في زمن أصبح فيه البعض يجيد التعبير عن الحب بالكلمات، لكنه يعجز عن إثباته بالمواقف. هناك من يقول أحبك، لكنه لا يعرف معنى الاهتمام، وهناك من يقدم الهدايا لكنه يبخل بالمشاعر، وهناك من يضحك في وجهك بينما لا يحمل لك في قلبه إلا المصلحة.
وهنا يجب أن نفهم أن الحب لا يعني التنازل عن الكرامة، ولا قبول الإهانة، ولا الاستمرار في علاقة تستنزف الروح بحجة الوفاء. فالحب الحقيقي لا يُلغي شخصية الإنسان، ولا يكسر كرامته، ولا يجعله دائمًا الطرف الذي يعتذر ويتنازل ويتحمل وحده.
أحبوا بصدق، لكن لا تنسوا أنفسكم، وامنحوا الاهتمام لمن يقدّره، وحافظوا على من يحافظ عليكم.
وفي عيد الحب، دعونا لا نحصر الحب في الورود الحمراء والهدايا، بل نجعله سلوكًا يوميًا؛ نسأل عن الغائب، ونجبر خاطر الحزين، ونعتذر لمن أخطأنا في حقه، ونُقدّر من يقف بجانبنا، ونمنح بعضنا كلمات طيبة ربما تكون سببًا في إسعاد قلب أنهكه التعب.
فكم من إنسان لا ينتظر هدية، بل ينتظر سؤالًا صادقًا: إنت عامل إيه؟ وكم من قلب لا يحتاج إلى باقة ورد، بل يحتاج إلى شخص يشعر به ولا يخذله!
وفي النهاية، تذكّروا أن أجمل هدية يمكن أن تقدمها لإنسان هي أن يشعر معك بالأمان، وأن يكون على طبيعته دون خوف، وأن يطمئن إلى أن مكانته في قلبك لا تتغير بتغير الظروف.
الحب ليس له عمر، ولا وقت، ولا مناسبة محددة.. الحب الحقيقي أن تظل إنسانًا جميلًا في حياة الآخرين، حتى في أصعب الأوقات.
كل سنة والقلوب الصافية بخير، وكل سنة وكل إنسان يجد من يحبه بصدق، ويقدّره، ويحترم وجوده، ولا يجعل قلبه يومًا نادمًا على أنه أحب.
عيد حب سعيد لكل القلوب التي ما زالت تعرف معنى الوفاء والإخلاص.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني