أوضحت دار الافتاء ردا على سائل يقول “ما حكم قراءة القرآن بطريقة برايل أثناء الصلاة وتحريك اليد؟ فأنا من ذوي الإعاقة البصرية، وأرغب في قراءة القرآن الكريم من المصحف المكتوب بطريقة برايل أثناء صلاتي فرضًا ونفلًا؛ رغبةً في ضبط التلاوة وطول القيام، وهو ما يتطلب حركةً مستمرةً لليدين والأنامل للأسطر والكلمات أثناء القراءة؛ فما حكم ذلك شرعًا؟”.
الجواب:
يجوز للمصلي من ذوي الإعاقة البصرية إمامًا كان أو منفردًا قراءة القرآن الكريم بطريقة برايل بالأجهزة المخصصة لذلك في صلاته فرضًا ونفلًا، وتحريك اليد أو الأصابع لتتبع الأسطر حركة ذاتية للقراءة وليست حركةً أجنبيةً عن الصلاة، لا تبطل الصلاة، خاصة لمن لا يحفظ، مع مراعاة السكون في باقي الأعضاء قدر الإمكان صونًا لهيئة الصلاة وخشوعها، وكل ذلك بشرط أن يكون المصحف المكتوب بطريقة برايل قد تمت مراجعته من اللجان المختصة بمراجعة المصحف الشريف، واللجان الفنية المتخصصة في هذه الطريقة.
حكم كتابة القرآن بغير اللغة العربية
تقوم طريقة برايل في جوهرها على تحويل الحروف الهجائية إلى رموز حسية ملموسة من النقاط البارزة التي تشكل بديلًا للحروف الهجائية، وتتم كتابة هذه الحروف بالضغط على النقاط المناسبة باستعمال اليد اليمنى ومن اليمين إلى اليسار، أما القراءة فتكون عن طريق لمس الحروف البارزة من اليسار إلى اليمين وذلك باستعمال اليد اليسرى، وقد يستعمل القارئ كلتا اليدين بعد تدريبه على القراءة السريعة؛ بحيث يستطيع الكفيفُ من خلال لمس الرمز بأنامله وتحديد النقاط البارزة فيه قراءةَ المكتوب ونطقه باللغة التي استعملت فيها هذه الطريقة.
وقد استعملت هذه الطريقة في اللغة العربية عام 1878م، وتم تحديد رموزها في مقابلة كل حرف من أحرف الهجائية العربية، فكل حرف في الهجائية العربية يدل عليه تكوين خاص من النقاط البارزة بكل رمز في هذه الطريقة، ثم جاء الأستاذ محمد بن عمر الأنسي الشامي في أواخر القرن التاسع عشر، فعمل على تطوير طريقة برايل في اللغة العربية. يُنظر: بحث ماجيستير مقدم لجامعة السانيا بالجزائر، بعنوان “التواصل التعليمي عند المعاقين بصريًّا”، لجبور بشير، ص: 60 وما بعدها، و”أبحاث ندوة طباعة القرآن الكريم ونشره التي عقدها مجمع الملك فهد عام 1433هـ”.
والأصلُ أنَّ القرآن الكريم يُكتب بالحروف العربية وفق “الرسم العثماني”، وهو سُنَّةٌ متبعة لا تجوز مخالفتها؛ لكونه مبنيًّا على “التوقيف” لا على مجرد الاصطلاح الإملائي، فقد كُتِبَ بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم على الأكتاف وسعف النخل بالهيئة التي حُفِظت بها المصاحف الأمهات.
قال العلامة الزمخشري في “الكشاف” (1/ 27، ط. دار الكتاب العربي): [وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي بني عليها علم الخط والهجاء، ثم ما عاد ذلك بضير ولا نقصان؛ لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ، وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف. قال عبد اللَّه بن درستويه في كتابه: “المترجم بـكتاب الكتاب المتمم”: في الخط والهجاء خطان لا يقاسان: خط المصحف؛ لأنه سنة، وخط العروض؛ لأنه يثبت فيه ما أثبته اللفظ، ويسقط عنه ما أسقطه] اهـ.
وأكد ذلك الإمام الزركشي في “البرهان” (1/ 376، ط. عيسى الحلبي): مبينًا أنَّ ما وقع فيه من مخالفةٍ لقياس الخط والهجاء لم يكن اتساقًا مع جهلٍ أو صدفة، بل هو: [على أمرٍ عندهم قد تحقق، وجب الاعتناء به] اهـ.
وقال الإمام البيهقي في “شعب الإيمان” (4/ 219، مكتبة الرشد): [من كتب مصحفًا فينبغي أن يحافظ على الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئًا، فإنهم كانوا أكثر علمًا، وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي لنا أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم ولا تَسَقُّطًا لهم] اهـ.
إلا أنَّ هذا الوجوبَ في حق البصير لا يمنع من توسل المكفوفين بطريقة “برايل” لإدراك النص القرآني؛ للحاجة إلى ذلك، بحيث إن الماسَّ لهذه النقوش يستدل بها على الحروف التي تقابلها بشكلها؛ ذلك أنَّ الخطوط ثلاثة: خط المصحف، والخط الإملائي، وخط العروض، و”طريقة برايل” تجري مجرى “الخط الإملائي الصوتي” الذي يُقصد منه حكاية اللفظ المسموع بدقة، وهو ما يُعرف بـ”الفوناتيك”؛ أي: الرسم الصَّوتي للآيات القرآنيَّة، بمعنى أن تُكتب الآية أو السُّورة بالنقوش البارزة وتُنطق باللغة العربيَّة بألفاظ القرآن بالضبط.
وقد احتمل الإمام بدر الدين الزركشي الجواز إذا كانت الكتابة بغير القلم العربي يساعد من لا يُحسِن أن يقرأه بالعربية؛ فقال في “البرهان” (1/ 380): [هل يجوز كتابة القرآن بقلم غير العربي؟ هذا مما لم أر للعلماء فيه كلامًا، ويحتمل الجواز؛ لأنه قد يحسنه من يقرؤه بالعربية، والأقرب المنع، كما تحرم قراءته بغير لسان العرب، ولقولهم: (القلم أحد اللسانين)، والعرب لا تعرف قلمًا غير العربي، قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]] اهـ.
![]()
