≫ هل تتحول زيارة طرابلس إلى نقطة انطلاق لحل أزمة شرق المتوسط؟
≫ ما أوراق مصر القانونية في مواجهة الاتفاق البحري الليبي التركي؟
≫ «خبير قانون دولي»: الاتفاق الليبي التركي لا يفرض التزامات على مصر
≫ «دبلوماسي»: زيارة وزير الخارجية إلى طرابلس خطوة مهمة في تطوير العلاقات المصرية الليبية
تقرير: محمود فياض
في تحرك دبلوماسي وقانوني يعكس تمسك القاهرة بحقوقها السيادية ومصالحها الاستراتيجية في منطقة شرق المتوسط، تواصل مصر إدارة ملف الخلاف البحري المرتبط بمذكرة التفاهم الموقعة بين ليبيا وتركيا عبر مسارات متوازية، تجمع بين الحوار المباشر مع الأطراف الليبية، والتحرك داخل المؤسسات الدولية، والاستناد إلى قواعد القانون الدولي للبحار، بهدف حماية حقوقها في المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، والحيلولة دون فرض أي ترتيبات بحرية قد تؤثر على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
وتأتي هذه التحركات في توقيت تشهد فيه منطقة شرق المتوسط تطورات متلاحقة، على خلفية تجدد الجدل بشأن مذكرة التفاهم البحرية بين طرابلس وأنقرة، عقب موافقة مجلس النواب الليبي على اعتمادها، الأمر الذي أعاد ملف ترسيم الحدود البحرية إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي، وفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات بين الدول المعنية، وانعكاسات الخلاف على التعاون الإقليمي واستغلال الموارد الطبيعية ومصادر الطاقة في المنطقة.
وتكتسب القضية أهمية خاصة في ظل تشابك الأبعاد السياسية والقانونية والاقتصادية والأمنية لملف الحدود البحرية، الذي لا يقتصر على تحديد نطاق السيادة البحرية لكل دولة، وإنما يمتد إلى حقوق التنقيب عن الغاز والبترول واستغلال الثروات الطبيعية، فضلاً عن تأثيره على توازنات العلاقات بين دول شرق المتوسط.
وبين تمسك القاهرة بموقفها القانوني الرافض للمذكرة، وحرص طرابلس على استمرار علاقاتها مع مصر وعدم الإضرار بمصالحها، تبرز أهمية المسار الدبلوماسي باعتباره وسيلة لمعالجة الخلافات والحفاظ على قنوات التواصل بين الجانبين.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى العاصمة الليبية طرابلس، وهي الأولى من نوعها لوزير خارجية مصري منذ عام 2011، لتؤكد اهتمام القاهرة بتعزيز التواصل المباشر مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، والحفاظ على علاقاتها مع مختلف القوى السياسية الليبية، دون أن يعني ذلك تغيير موقفها من الاتفاق البحري أو التراجع عن ثوابتها المتعلقة بحماية أمنها القومي وحقوقها البحرية.
ومن جانبه، قال السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إن زيارة وزير الخارجية المصري إلى طرابلس تمثل خطوة مهمة في إطار تطوير العلاقات المصرية الليبية، خاصة أنها تأتي بعد زيارة أجراها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى مصر قبل عدة أشهر.
وأوضح هريدي أن أهمية الزيارة ترتبط بضرورة استمرار قنوات التواصل المفتوحة بين القاهرة ومختلف القوى السياسية الليبية، بما يدعم جهود تنفيذ القرارات الأممية والعربية المتعلقة بالانتقال السياسي، وصولاً إلى تأسيس دولة ليبية ديمقراطية حديثة، تمتلك مؤسسات مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات الداخلية.
وبشأن انعكاسات الزيارة على الخلاف المتعلق بمذكرة التفاهم البحرية بين ليبيا وتركيا، أشار إلى أن المباحثات تتناول عدداً من الملفات المهمة، سواء المتعلقة بالعلاقات الثنائية أو تطورات المشهد السياسي الليبي، مؤكداً أن موافقة مجلس النواب الليبي على المذكرة ستكون حاضرة ضمن الموضوعات المطروحة للنقاش، في ضوء إعلان مصر موقفها الرافض للاتفاق بوضوح.
وفي المقابل، تضمنت تصريحات رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة رسائل تهدئة تجاه القاهرة، حيث أكد تمسكه بوحدة ليبيا، مشدداً على عدم وجود مشكلة كبيرة بشأن ملف ترسيم الحدود البحرية، وقال: «لا نريد أي إضرار بالمصالح المصرية في شرق المتوسط»، وهي تصريحات تعكس حرص الجانب الليبي على عدم انتقال الخلاف البحري إلى مسار يؤثر على العلاقات الثنائية والتعاون بين البلدين.
جذور الخلاف.. لماذا ترفض القاهرة الاتفاق البحري؟
وتعود جذور الخلاف إلى 27 نوفمبر 2019، عندما وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، برئاسة فايز السراج آنذاك، مذكرتي تفاهم، إحداهما للتعاون الأمني والعسكري، والأخرى لتحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط.
وأثارت المذكرة البحرية اعتراضات من مصر واليونان وقبرص، بسبب مسار الحدود البحرية الذي تضمنته، وما اعتبرته هذه الدول تجاهلاً لحقوقها ومطالباتها البحرية في شرق المتوسط، خاصة فيما يتعلق بتداخل المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وما يرتبط بهما من حقوق استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها.
وسبق أن أكد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد العرابي أن اعتراض القاهرة على المذكرة ليس جديداً، وإنما يعود إلى تاريخ توقيعها عام 2019، موضحاً أن الاتفاق يمس المصالح المصرية، وأن القاهرة حذرت منذ البداية من أن ترسيم الحدود بهذه الصورة قد يؤدي إلى تداخل مع حقوقها ومصالحها في منطقتها الاقتصادية الخالصة.
وتجدد الخلاف بعدما صوت مجلس النواب الليبي بالإجماع، في 20 أكتوبر الماضي، على اعتماد مذكرة التفاهم الموقعة مع تركيا، وإلغاء قرارين سابقين صادرين عام 2020، يتعلقان برفض المصادقة على المذكرتين الموقعتين بين طرابلس وأنقرة وقطع العلاقات السياسية مع تركيا.
وعقب التصويت، جددت وزارة الخارجية المصرية رفضها للمذكرة، ووصفتها بأنها «باطلة بطلاناً مطلقاً، ومعدومة الأثر القانوني»، مؤكدة رفضها لأي إجراءات أو تصرفات تستند إليها وتتعارض مع الحدود البحرية المصرية المعلنة.
وشددت القاهرة على أن المذكرة تخالف مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المتعلقة بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، معتبرة أنها تنطوي على مساس بحقوق مصر السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري.
تحرك مصري أمام الأمم المتحدة لتثبيت الحقوق البحرية
وعلى المسار القانوني والدولي، أكد الدكتور محمد مهران، الخبير في القانون الدولي، أن التحرك المصري المزمع أمام الأمم المتحدة بشأن الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا يستهدف تثبيت الحقوق البحرية المصرية وتوثيق الموقف القانوني للقاهرة، وليس الدخول في مواجهة سياسية أو تصعيد مع الأطراف المعنية.
وأوضح مهران أن الموقف القانوني المصري يستند إلى مجموعة من القواعد الراسخة في القانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ عدم سريان المعاهدات على الدول غير الأطراف فيها، مشيراً إلى أن المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تنص على أن المعاهدة لا تنشئ التزامات أو حقوقاً لدولة ثالثة دون موافقتها.
وأضاف أن مذكرة التفاهم الليبية التركية لا يمكن أن تفرض التزامات على مصر أو اليونان أو قبرص، بصرف النظر عن مصادقة البرلمان الليبي عليها، باعتبار أن الدول غير المشاركة في الاتفاق لا تصبح ملزمة بأحكامه لمجرد توقيعه أو اعتماده من الأطراف الموقعة.
وأشار إلى أن الركيزة القانونية الثانية تتعلق بضرورة تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري من خلال اتفاق بين الدول المعنية، وفقاً لقواعد القانون الدولي وبما يحقق حلاً منصفاً لجميع الأطراف، لافتاً إلى أن حقوق الجزر في المناطق البحرية تمثل أحد العناصر المهمة التي يجب مراعاتها عند ترسيم الحدود.
وفي هذا السياق، استند مهران إلى المادة 121 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المتعلقة بالحقوق البحرية للجزر، موضحاً أن تجاهل جزيرة كريت اليونانية، باعتبارها جزيرة كبيرة، يثير إشكاليات قانونية وجغرافية تتعلق بأسس ترسيم الحدود البحرية.
كما أشار إلى أن مصر تستند إلى اتفاق تعيين الحدود البحرية الموقع مع اليونان عام 2020، باعتباره إطاراً قانونياً منظماً للحقوق البحرية بين البلدين، وأحد العناصر التي تعزز موقف القاهرة في مواجهة أي ترتيبات قد تتعارض مع حقوقها البحرية.
ميثاق الأمم المتحدة.. مسار قانوني لتوثيق الاعتراض المصري
وفيما يتعلق بالتحرك المصري داخل الأمم المتحدة، أوضح الخبير في القانون الدولي أن مخاطبة الأمين العام ومجلس الأمن تستند إلى الحق المقرر للدول بموجب المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تتيح لأي دولة لفت انتباه المجلس إلى أي نزاع أو موقف قد يهدد السلم والأمن الدوليين.
وأضاف أن المادة 33 من الميثاق تؤكد ضرورة البحث عن حلول سلمية للنزاعات الدولية، فيما تتعلق المادة 102 بتسجيل المعاهدات الدولية لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، موضحاً أن هذه القواعد توفر إطاراً قانونياً ودبلوماسياً لتوثيق المواقف والاعتراضات المصرية داخل المؤسسات الدولية.
ولفت مهران إلى أن عدم انضمام تركيا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يحد من إمكانية اللجوء إلى آليات التسوية الإلزامية المنصوص عليها فيها، وهو ما يعزز أهمية المسار الدبلوماسي والقانوني، وتوثيق الموقف المصري داخل المؤسسات الدولية، بما يحافظ على الحقوق والمطالبات البحرية للقاهرة.
كما تطرق إلى أهمية مسألة وحدة التمثيل الليبي عند إبرام اتفاقات تتعلق بالتزامات سيادية بهذا الحجم، مؤكداً دعم مصر لوحدة ليبيا ومؤسساتها، وضرورة معالجة الملفات المرتبطة بمستقبل الدولة الليبية ومصالحها الاستراتيجية في إطار يحافظ على الاستقرار ويضمن احترام القواعد القانونية.
واختتم مهران قراءته للتطورات بالتأكيد على أن التحركات المصرية تحمل ثلاث رسائل أساسية؛ تتمثل الأولى في أن الاتفاقات الثنائية لا يمكن أن تفرض التزامات على الدول التي لم تكن طرفاً فيها، والثانية أن الجغرافيا والحقوق البحرية لا يمكن إعادة تشكيلها بمجرد توقيع مذكرة تفاهم، أما الرسالة الثالثة فتؤكد أن تسوية الخلافات في شرق المتوسط يجب أن تقوم على التفاوض بين جميع الدول الساحلية، بما يضمن احترام الحقوق وتحقيق المصالح المشتركة.
![]()
