بقلم: بسيوني أبوزيد
إلى متى يتحمل المواطن المصري وحده فاتورة الأزمات؟ وأين دور البرلمان في حماية مصالح الشعب المصري؟
في الوقت الذي تتجه فيه دول أوروبية إلى تشديد سياسات الهجرة وتسريع إجراءات إعادة الأشخاص الذين لا يملكون حقًا قانونيًا في البقاء على أراضيها، يحق للمواطن المصري أن يتساءل: لماذا لا يفتح البرلمان المصري نقاشًا جادًا حول مستقبل ملف اللاجئين في مصر، ومدى تأثيره على الاقتصاد الوطني والخدمات العامة وحقوق المواطن المصري؟
فقد أقر البرلمان الأوروبي، في يونيو 2026، قواعد جديدة تستهدف تسريع إعادة الأشخاص الذين لا يملكون حق الإقامة القانونية، مع إتاحة إنشاء مراكز للإعادة خارج الاتحاد الأوروبي، ثم اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي القواعد رسميًا في أكتوبر 2026. وهنا يبرز السؤال: هل آن الأوان لأن يضع البرلمان المصري سياسة واضحة وحاسمة لتنظيم ملف اللاجئين والإقامة على الأراضي المصرية؟ [المصدر: رويترز، ومجلس الاتحاد الأوروبي]
المواطن المصري أولى بالرعاية
لا يخفى على أحد حجم التحديات الاقتصادية التي تواجه الدولة المصرية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وضغوط الأسعار وأزمة السكن، وما تتحمله الدولة من أعباء لتوفير الخدمات الأساسية لملايين المواطنين.
وفي ظل هذه الظروف، يشعر قطاع من المواطنين بالقلق من زيادة الطلب على المدارس والجامعات والمستشفيات والمساكن، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط إضافية على الخدمات المتاحة، فضلًا عن ارتفاع الإيجارات في بعض المناطق، وتأثير المنافسة على فرص العمل والموارد المحدودة.
ومن حق المواطن المصري أن يسأل عن التكلفة الحقيقية لاستضافة اللاجئين، وعن حجم الدعم الدولي الذي تحصل عليه الدولة مقابل هذه الاستضافة، وعن نصيب المواطن من أي موارد أو مساعدات مخصصة لهذا الملف.
كما أن الحديث عن استفادة بعض المقيمين من منظومات الدعم، مثل الخبز والوقود، يستوجب بيانات رسمية واضحة تشرح قواعد الاستحقاق، ومصادر التمويل، وآليات الرقابة، حتى لا تختلط الحقائق بالشائعات، وحتى لا يشعر المواطن بأن حقوقه الاجتماعية معرضة للانتقاص.
السكن والخدمات والهوية الوطنية
إن أزمة السكن وارتفاع إيجارات الشقق والمحلات التجارية أصبحت من الملفات التي تستحق دراسة جادة، خصوصًا في المناطق التي يرتفع فيها الطلب على الوحدات السكنية. ومن الضروري أن تدرس الجهات المختصة مدى تأثير الزيادة السكانية والهجرة الوافدة في هذه الأسواق، إلى جانب العوامل الاقتصادية الأخرى، مثل التضخم وتكاليف البناء ونقص المعروض السكني.
أما الهوية المصرية، فهي قضية وطنية لا ينبغي التعامل معها بالشعارات أو التخويف، بل بسياسات تحافظ على اللغة والثقافة والقانون والنظام العام، وتضمن اندماج المقيمين بصورة لا تنتقص من حقوق المواطنين ولا تمس خصوصية المجتمع المصري.
فمصر، بتاريخها وحضارتها، دولة عريقة عرفت إغاثة الملهوف واستقبال من اضطروا إلى الفرار من الحروب. لكن الكرم لا يعني غياب التنظيم، والتضامن الإنساني لا يعني أن تتحمل الدولة وحدها جميع التكاليف إلى أجل غير معلوم.
ماذا نريد من البرلمان المصري؟
إن المطلوب ليس قرارات عشوائية أو حملات تستهدف جنسية بعينها، وإنما سياسة وطنية متكاملة تقوم على الشفافية وسيادة القانون وحماية الأمن القومي، وتتضمن:
* حصرًا دقيقًا ومحدثًا: معرفة أعداد المقيمين واللاجئين وطالبي اللجوء، والتمييز بين أصحاب الإقامات القانونية ومن انتهت إقامتهم أو صدرت بحقهم قرارات واجبة التنفيذ.
* مراجعة الأوضاع القانونية: تطبيق القانون على من يقيمون بصورة غير قانونية، وتسريع إجراءات البت في الطلبات، وتنفيذ قرارات العودة وفق ضمانات قانونية واضحة.
* حماية حقوق المواطن: دراسة الضغط على المدارس والمستشفيات والسكن وفرص العمل، ونشر بيانات موثوقة عن التكلفة الفعلية للاستضافة.
* الشفافية في الدعم: توضيح حقيقة استفادة المقيمين من منظومات الدعم الحكومي، ومنع أي تلاعب أو استغلال، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه وفق القواعد المعلنة.
* تحمل المجتمع الدولي لمسؤوليته: مطالبة الدول والجهات المانحة بتقديم دعم يتناسب مع الأعباء التي تتحملها مصر، وتوسيع برامج العودة الطوعية الآمنة وإعادة التوطين حيثما أمكن.
هل يكون الترحيل هو الحل؟
إن عنوان «ترحيل اللاجئين مطلب شعبي» يعبر عن قلق لدى مواطنين يريدون حماية موارد بلدهم وحقوقهم، لكنه يطرح أيضًا سؤالًا مهمًا: هل يكون الحل في الترحيل الجماعي، أم في تنظيم الإقامة وتطبيق القانون وإعادة من لا يملكون حق البقاء، مع حماية من يستحقون اللجوء وفقًا للقواعد القانونية؟
إن العدالة تقتضي التفرقة بين من ارتكب مخالفة قانونية تستوجب إجراءً محددًا، ومن يحمل إقامة قانونية، ومن فرّ من حرب أو اضطهاد ويستحق الحماية. كما أن أي عودة يجب أن تراعي الالتزامات القانونية ومبدأ عدم الإعادة القسرية إلى مكان يواجه فيه الشخص خطر الاضطهاد أو التعذيب.
ولا يجوز تحميل جميع اللاجئين مسؤولية الأزمات الاقتصادية، كما لا يجوز تجاهل الضغوط الحقيقية التي قد تتحملها المجتمعات المضيفة. فالسياسة الرشيدة هي التي تواجه المشكلة بالأرقام والحقائق، لا بالتعميم أو الاتهامات.
رسالة إلى البرلمان والحكومة
إننا نطالب البرلمان المصري بفتح ملف اللاجئين أمام الرأي العام، والاستماع إلى المواطنين والخبراء والجهات المعنية، ومراجعة السياسات المنظمة للإقامة والعمل والخدمات، ووضع جدول زمني وإجراءات واضحة للتعامل مع حالات الإقامة غير القانونية، مع ضمان تنفيذ القانون واحترام الالتزامات الدولية لمصر.
مصر ليست دولة بلا قانون، والمواطن المصري ليس أقل حقًا في الرعاية من أي إنسان آخر. ومن حقه أن يعرف حجم الأعباء التي تتحملها بلاده، ومن حق الدولة أن تنظم الإقامة على أراضيها، ومن واجب المجتمع الدولي ألا يترك مصر وحدها أمام تداعيات الأزمات الإقليمية.
إن الحفاظ على الأمن القومي والهوية الوطنية والاستقرار الاقتصادي مسؤولية لا تقبل التأجيل، لكن قوتنا الحقيقية تكمن في دولة تطبق القانون على الجميع، وتحمي مواطنيها، وتحترم كرامة الإنسان، وتتخذ قراراتها على أساس الحقائق والمصلحة الوطنية.
ترحيل من لا يملك حق البقاء، وتنظيم الإقامة، وحماية حقوق المصريين، وتقاسم الأعباء مع المجتمع الدولي؛ هذه هي الملفات التي تستحق نقاشًا وطنيًا جادًا تحت قبة البرلمان المصري
![]()
