سيد الأسيوطي يكتب..

في عالم الدعاية والتسويق الحديث، لم تعد الإعلانات التقليدية وحدها هي الطريق إلى الشهرة، بل أصبحت حالة الجدل نفسها من أهم الوسائل الدعائية والتسويقية المجانية، التي قد تتجاوز قيمتها ملايين الجنيهات من الإنفاق الإعلاني والتجاري للشركات والمؤسسات الخاصة.
لذلك هناك سؤال مهم: هل ما شهدناه مؤخراً من قرارات أثارت غضب عدد من ملاك الوحدات السكنية في مشروعات شركات رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، كانت مجرد قرارات إدارية عادية تحولت دون قصد إلى ترند واسع، أم أنها كانت نتيجة سياسات إعلامية وتسويقية مقصودة للاستفادة من حالة الجدل، وتحقيق حملة دعاية مجانية ضخمة للشركة،
فمنذ أن تم تداول الأخبار الخاصة بفرض رسوم أو قيود جديدة داخل بعض المشروعات التابعة لشركات رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالنقاش والتحليل والتعليق، وانقسم الرأي العام بين مؤيد يرى أن للشركة الحق في تنظيم مشروعاتها بما يحافظ على قيمتها الاستثمارية ونظامها الداخلي، ومعارض اعتبر أن بعض هذه الإجراءات غير مبررة، وتمثل عبئا إضافياً على الملاك الذين دفعوا بالفعل مبالغ كبيرة للحصول على وحداتهم السكنية.

والحقيقة أن النتيجة كانت واحدة؛ فقد ظل اسم الشركة حاضراً ومتداولا بقوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفي وسائل الإعلام والقنوات الفضائية، لعدة أيام متتالية، وهو ما يعد في عالم الدعاية والتسويق نوعا من أنواع الانتشار الواسع والسريع والدعاية المجانية، حتى وإن كانت مصحوبة ببعض الإنتقادات الحادة والكلمات اللاذعة.

ولكن هنا يبقى السؤال الأهم: هل كل شهرة مفيدة،، وهل كل ترند من الممكن أن يحقق أرباحاً،

الإجابة لا يمكن حسمها بنعم أو لا.

فالدعاية السلبية أحياناً قد تكون مفيدة وتحقق انتشارا واسعا وسريعا، لكنها في الوقت نفسه قد تترك أثراً سلبيا طويل المدى على ثقة العملاء، خاصة في قطاعات تعتمد في الأساس على السمعة والالتزام والثقة المتبادلة بين الشركة والعملاء، مثل قطاع التطوير العقاري.
فالعميل عندما يشعر بأن شروط التعاقد أو أسلوب الإدارة داخل المشروع يمكن أن يتغير بصورة مفاجئة، فإنه يعيد حساباته بسرعة قبل اتخاذ أي قرار لشراء وحدة أو وحدات جديدة، مهما كانت جودة المشروع أو موقعه المتميز.
ومن ناحية أخرى، قد يكون ما حدث مجرد سوء في تقدير الموقف أو التواصل مع العملاء، فكثير من الأزمات لا تنشأ بسبب القرارات نفسها، وإنما بسبب طريقة اتخاذ القرارات وتوقيتها، وغياب الحوار المسبق مع الملاك أصحاب الشأن، وهو ما يفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات وتضخيم الأحداث.

وهنا تظهر أهمية الحوار وإدارة الأزمات، فالشركات الكبرى لا تقاس بحجم استثماراتها أو عدد مشروعاتها فقط، وإنما تقاس أيضا بقدرتها على الحوار الجاد، وكيفية إدارة الأزمات، وسرعة حل المشكلات، والاستماع إلى عملائها، وتقديم حلول وتفسيرات واضحة لكل قرار يمس مصالحهم.
فالشركة التي تمتلك قاعدة كبيرة من العملاء والمستثمرين عليها أن تدرك أن كل قرار يصدر عنها يمكن أن يتحول في لحظات إلى قضية رأي عام، خاصة في عصر الحداثة التي أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة الترند بالسلب أو بالإيجاب خلال ساعات قليلة.
وفي النهاية، فإن أي شركة لها اسمها وتحقق نجاحات كبيرة تصبح دائمًا تحت مجهر الرأي العام، وكل قرار يصدر عنها يكون محل تحليل ونقاش وتقييم من الجميع.
لذلك فإن المحافظة على ثقة العملاء قد تكون أهم بكثير من قرار متسرع، أو تحقيق ترند مؤقت، أو الحصول على دعاية مجانية؛ لأن القرار يمكن إلغاؤه أو تعديله، والترند قد يختفي بعد أيام، أما السمعة فهي رأس المال الحقيقي والدائم لأي شركة أو مستثمر، سواء كان مصريآ أو أجنبيآ،
السؤال الأهم الذي يفرض نفسه:
هل كانت هذه القرارات مجرد إجراءات إدارية متسرعة لم يتم التواصل بشأنها بالشكل الصحيح مع الملاك أصحاب الشأن، فتحولت دون قصد إلى ترند سلبي ..
أم أنها كانت قرارات مقصودة لإحداث حالة من الجدل، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الدعاية المجانية للشركة،

هذا هو السؤال الذي يتركه لنا “ترند” القرارات الأخيرة لشركة “العبار “،،
والإجابة عنه ليست بالكلمات أو التخمينات أو التحليلات، وإنما بما ستفعله الشركة خلال الفترة المقبلة في تعاملها مع عملائها وملاك وحداتها، أصحاب الشأن والحق الأصيل في الحوار والنقاش حول أي قرارات أو إجراءات يتم اتخاذها، خاصة عندما يكون لها تأثير مباشر على مصالحهم وحقوقهم.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني