حوار: رفعت عبد السميع
تصوير محمد بوتا
بمناسبة احتفال جمهورية طاجيكستان بالذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلالها، أجرت الضمير حوارًا خاصًا مع سفير جمهورية طاجيكستان لدى جمهورية مصر العربية، السيد برويز ميرزازاده، تناول خلاله مسيرة بلاده منذ الاستقلال، وأبرز التحولات التي شهدتها طاجيكستان، ودورها المتنامي في القضايا الإقليمية والدولية، ولا سيما ملفات المياه والمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرق الحوار إلى مسيرة العلاقات المصرية–الطاجيكية، وفرص التعاون في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والصناعة والتعليم والثقافة والسياحة، إضافة إلى آفاق المرحلة المقبلة بين القاهرة ودوشنبه.

وفيما يلي نص الحوار:

رفعت عبد السميع: بدايةً.. نهنئكم بالذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال طاجيكستان، ماذا تمثل هذه المناسبة للشعب الطاجيكي؟
السفير برويز ميرزازاده:
أشكركم على اهتمامكم بطاجيكستان وحرصكم على إجراء هذا الحوار. وأود في البداية أن أتقدم بالتهنئة إلى شعب طاجيكستان، وإلى أبناء الجالية الطاجيكية في مصر، وإلى الشعب المصري الصديق، بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال جمهورية طاجيكستان.

وأغتنم هذه المناسبة لأعبر عن تقديري للمشاعر الطيبة التي أبداها الشعب المصري تجاه طاجيكستان. ففي الثامن من سبتمبر 2026، قام ممثل المكتب التنفيذي لرئيس جمهورية مصر العربية، السيد محمد عاصي، بزيارة سفارة طاجيكستان بالقاهرة، ونقل تهاني حكومة وشعب مصر إلى قيادة وشعب طاجيكستان.

وقد كان لهذا الموقف أثر كبير لدينا، لأننا نشعر دائمًا بأن الشعب المصري يشاركنا أفراحنا ومناسباتنا الوطنية.

لقد أعلنت جمهورية طاجيكستان استقلالها في 9 سبتمبر 1991، ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الطاجيكية.

وخلال خمسة وثلاثين عامًا، استطاعت البلاد أن تبني مؤسساتها الوطنية وأن تنتهج سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة، قائمة على احترام القيم الإنسانية العالمية وحماية المصالح الوطنية.

ونحن نرى أن ما تحقق خلال هذه السنوات جاء نتيجة السياسة الرشيدة لمؤسس السلام والوحدة الوطنية، زعيم الأمة، فخامة رئيس جمهورية طاجيكستان إمام علي رحمان، إلى جانب جهود الشعب الطاجيكي ودعم المجتمع الدولي.

طاجيكستان.. دولة الجبال والمياه والثروات الطبيعية
رفعت عبد السميع: كيف يمكن أن تقدموا طاجيكستان للقارئ المصري الذي يريد أن يتعرف أكثر على بلدكم؟
السفير:
بكل سرور.

تقع جمهورية طاجيكستان في قلب آسيا الوسطى، وتبلغ مساحتها أكثر من 142 ألف كيلومتر مربع، ويقترب عدد سكانها من 11 مليون نسمة.

وتحدها أوزبكستان من الغرب والشمال الغربي، وقيرغيزستان من الشمال الشرقي، والصين من الشرق، وأفغانستان من الجنوب.

وطاجيكستان بلد جبلي بامتياز؛ إذ تشكل الجبال نحو 93% من مساحة البلاد، وتضم واحدة من أعلى القمم في المنطقة والعالم، وهي قمة إسماعيل ساماني التي يبلغ ارتفاعها نحو 7495 مترًا.

وتتميز البلاد بثروة مائية هائلة، حيث تضم مئات الأنهار والبحيرات، إلى جانب مساحات واسعة من الأنهار الجليدية.

وتشير البيانات الرسمية إلى وجود أكثر من 14 ألف نهر جليدي، كما تضم البلاد أكثر من 1300 بحيرة، من بينها قَرَكول وسَريز وإسكندركول وزاركول.

وهذه الموارد لا تمثل ثروة طبيعية فحسب، بل تشكل أساسًا مهمًا لمستقبل التنمية والطاقة في طاجيكستان وآسيا الوسطى.

الثروات المعدنية.. فرص جديدة أمام الاستثمار
رفعت عبد السميع: وماذا عن الثروات المعدنية والصناعات التعدينية؟
السفير:

تمتلك طاجيكستان ثروات معدنية مهمة، وقد تم تحديد أكثر من 400 موقع تعديني، يعمل منها نحو 100 منجم، ويتم استخراج ومعالجة عشرات الأنواع من المواد الخام المعدنية.

وتشمل هذه الموارد الفحم، والذهب، والفضة، والأنتيمون، والزئبق، والرصاص، والزنك، والبزموت، والموليبدينوم، والتنغستن، وغيرها.

وتتميز طاجيكستان أيضًا باحتياطيات كبيرة من الفحم، إلى جانب المعادن النفيسة والنادرة والأحجار الكريمة.

ومن بين الموارد المهمة الأنتيمون، حيث أصبحت طاجيكستان من الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة له عالميًا.

وهذه الموارد تفتح المجال أمام تعاون استثماري وصناعي واسع، خاصة في ظل توجهنا نحو زيادة القيمة المضافة للمواد الخام بدلًا من الاكتفاء بتصديرها في صورتها الأولية.

دبلوماسية المياه.. كيف أصبحت طاجيكستان لاعبًا دوليًا
رفعت عبد السميع: ما أبرز إنجازات طاجيكستان على صعيد السياسة الخارجية خلال 35 عامًا؟
السفير:
تقوم السياسة الخارجية لجمهورية طاجيكستان على التوازن، وحماية المصالح الوطنية، واحترام مصالح الشركاء، وتعزيز التعاون الدولي.

وقد نجحت طاجيكستان في إقامة علاقات دبلوماسية مع عدد كبير من دول العالم، وأصبحت عضوًا فاعلًا في المنظمات الدولية والإقليمية.

ومن أبرز المجالات التي أصبحت طاجيكستان معروفة بها دوليًا الدبلوماسية المائية.

فالمياه قضية ترتبط بالأمن والتنمية والاستقرار، ولذلك طرحت طاجيكستان عددًا من المبادرات الدولية المتعلقة بالمياه والأنهار الجليدية والمناخ والتنمية المستدامة.

وقد تبنت الأمم المتحدة عددًا من المبادرات التي طرحتها طاجيكستان، من بينها:

السنة الدولية للمياه العذبة عام 2003.
العقد الدولي للعمل «الماء من أجل الحياة» 2005–2015.
السنة الدولية للتعاون في مجال المياه 2013.
العقد الدولي للعمل «المياه من أجل التنمية المستدامة» 2018–2028.
السنة الدولية للحفاظ على الأنهار الجليدية 2025.
اليوم العالمي للأنهار الجليدية في 21 مارس.
مبادرات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة في آسيا الوسطى.
السنة الدولية لمحو الأمية القانونية 2027.
العقد الدولي لتوطيد السلام من أجل الأجيال القادمة 2027–2036.
وهذه المبادرات تعكس رؤية طاجيكستان بأن القضايا العالمية لا يمكن حلها إلا من خلال التعاون الدولي.

من أزمة المياه إلى التعاون الإقليمي
رفعت عبد السميع: ما الهدف الأساسي من هذه المبادرات؟
السفير:
طاجيكستان جزء من المجتمع الدولي، ولذلك لا يمكنها أن تكون بعيدة عن القضايا التي تؤثر على مستقبل الشعوب.

المياه والمناخ والأمن والتنمية والعدالة والمساواة كلها قضايا تتجاوز الحدود الوطنية.

وفي بداية القرن الحادي والعشرين، كانت قضية المياه من أكثر الملفات حساسية في آسيا الوسطى، وكانت هناك تحليلات تتحدث عن إمكانية تحول المياه إلى مصدر للنزاعات.

لكن طاجيكستان اختارت طريق الحوار والتعاون.

ومن خلال المبادرات التي طرحتها على المستوى الدولي، وإشراك الدول والخبراء والمؤسسات الدولية، تطورت رؤية مشتركة للتعامل مع الموارد المائية.

ونحن نرى أن تجربة آسيا الوسطى يمكن أن تكون نموذجًا يمكن الاستفادة منه في مناطق أخرى من العالم.

مصر وطاجيكستان.. 33 عامًا من العلاقات الدبلوماسية
رفعت عبد السميع: كيف تصفون مسيرة العلاقات المصرية–الطاجيكية منذ استقلال طاجيكستان؟
السفير:
مصر دولة محورية في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، ولها مكانة مهمة في السياسة الخارجية لجمهورية طاجيكستان.

كما أن بين البلدين الكثير من القواسم المشتركة، سواء على مستوى التاريخ أو الثقافة أو الحضارة، فضلًا عن التعاون والتنسيق في عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

اعترفت مصر رسميًا باستقلال طاجيكستان في 1 يناير 1992، وأقيمت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 1 أبريل 1993.

وكانت الزيارات الرسمية لفخامة الرئيس إمام علي رحمان إلى مصر في أعوام 2007 و2022، إضافة إلى مشاركته في مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ عام 2022، محطات مهمة في مسيرة العلاقات الثنائية.

كما عقد البلدان اجتماعات للجنة الاقتصادية المشتركة ومشاورات سياسية، كان آخرها في القاهرة خلال العام الجاري.

الأدوية والطاقة والسياحة.. قطاعات واعدة للتعاون المصري
رفعت عبد السميع: أين ترون فرص التعاون الاقتصادي بين البلدين؟
السفير:
هناك فرص كبيرة ومتنوعة.

ونحن نرى إمكانات للتعاون في صناعة الأدوية، والطاقة، والبناء، والسياحة، والمتاحف، والبحث العلمي، والصناعات الغذائية، والصناعات الخفيفة، والمعادن، والصناعات الكيميائية ومواد البناء.

وطاجيكستان تمتلك خمس مناطق اقتصادية حرة، وموارد مائية وطاقة كبيرة، وثروات معدنية، وأراضي زراعية، ومنتجات زراعية وفواكه ذات جودة عالية.

ونحن ندعو رجال الأعمال والمستثمرين المصريين إلى التعرف على هذه الفرص.

الثقافة.. الجسر الأقوى بين القاهرة ودوشنبه
رفعت عبد السميع: تحدثتم عن الثقافة.. فماذا تمثل في العلاقات بين البلدين؟
السفير:
الثقافة هي أحد أهم الجسور بين الشعوب.

وهناك جذور تاريخية وثقافية عميقة تجمع بين مصر وآسيا الوسطى وطاجيكستان.

كما أن عددًا من العلماء والمفكرين الذين ارتبطوا بالمنطقة كانت لهم صلات بمصر، وهو ما يعكس عمق التواصل الحضاري بين الجانبين.

وخلال زيارة الرئيس إمام علي رحمان إلى مصر في مارس 2022، زار جامعة القاهرة وألقى كلمة أمام أعضاء هيئة التدريس والطلاب، ومنحته الجامعة درجة الدكتوراه الفخرية تقديرًا لإسهاماته في تعزيز العلاقات بين البلدين.

كما نعمل على توسيع التعاون الثقافي والبحثي، وتنظيم أيام ثقافية طاجيكية في مصر.

وقد أصدرت السفارة بالتعاون مع صحفيين ومراكز بحثية مصرية عددًا من الإصدارات باللغة العربية للتعريف بطاجيكستان، من بينها مجلة «طاجيكستان»، وإصدارات تناولت الأنهار الجليدية والمياه، إضافة إلى كتب عن التاريخ والتراث الطاجيكي.

التعليم.. طلاب مصريون يكتشفون الجامعات الطاجيكية
رفعت عبد السميع: وماذا عن التعاون في مجال التعليم؟
السفير:
نلاحظ خلال الفترة الأخيرة زيادة اهتمام الشباب المصري بالدراسة في طاجيكستان.

ومن الجامعات التي تحظى باهتمام الطلاب جامعة أبو علي بن سينا الطبية، حيث تقدم الدراسة باللغات الطاجيكية والروسية والإنجليزية.

ونحن نرحب بالطلاب المصريين، ونعتبر وجودهم في الجامعات الطاجيكية وسيلة إضافية لتقوية العلاقات بين الشعبين.

من طريق الحرير إلى السياحة الحديثة
رفعت عبد السميع: طاجيكستان تبدو ثرية سياحيًا.. فما الذي يمكن أن يجذب السائح المصري؟
السفير:
طاجيكستان تجمع بين الطبيعة والتاريخ.

لدينا الجبال والأنهار والبحيرات والأنهار الجليدية، إلى جانب المواقع الأثرية والمدن التاريخية.

ومن أبرز المقاصد التي يمكن للسائح زيارتها سَرَزْم، قلعة هولبوك، قلعة خُجند، قلعة حصار، وادي واخان، المتحف الوطني، ساحة إسماعيل ساماني، حديقة العلم الوطني، قصر نوروز، ورمز الاستقلال وغيرها.

كما أن طاجيكستان كانت جزءًا من طرق التجارة القديمة، وارتبط تاريخها بطريق الحرير.

وتشير الدراسات الأثرية إلى أن حجر اللازورد من بدخشان وصل في عصور قديمة إلى مناطق مختلفة، ومنها مصر.

رحلات جوية مباشرة.. خطوة منتظرة لإنعاش السياحة
رفعت عبد السميع: ما أبرز التحديات أمام تطوير السياحة بين البلدين؟
السفير:
أعتقد أن أهم التحديات تتمثل في عدم وجود رحلات جوية مباشرة بين طاجيكستان ومصر، إلى جانب طول المسافة وارتفاع تكلفة تذاكر الطيران.

ولذلك فإن إطلاق خط جوي مباشر يمكن أن يكون خطوة مهمة لتعزيز حركة السياحة ورجال الأعمال والطلاب بين البلدين.

كما نعمل على تشجيع شركات السياحة وتنظيم المنتديات والفعاليات للتعريف بالإمكانات السياحية في البلدين.

وهناك أيضًا مشروع اتفاقية للتعاون السياحي بين حكومتي طاجيكستان ومصر، ونسعى إلى استكمال الإجراءات المتعلقة بها في أقرب وقت ممكن.

رفعت عبد السميع: في ختام هذا الحوار.. ما رسالتكم إلى الشعبين المصري والطاجيكي؟
السفير برويز ميرزازاده:
مصر دولة ذات مكانة وتأثير كبيرين على الساحة الدولية، ولذلك تحتل مكانة مهمة في السياسة الخارجية لطاجيكستان.

العلاقات بين البلدين تقوم على التفاهم والاحترام المتبادل والثقة، ولا توجد بيننا قضايا سياسية خلافية.

ونحن نقدر الدور الذي تقوم به مصر على المستويين الإقليمي والدولي، ونتمنى لها ولشعبها المزيد من النجاح والاستقرار.

وفي المقابل، نأمل أن تواصل مصر دعمها للتعاون مع طاجيكستان، خاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتنموية.

طاجيكستان تنفذ استراتيجية التنمية الوطنية حتى عام 2030، وتعمل على تطوير الصناعة والطاقة والبنية الأساسية، ونرى فرصًا كبيرة للتعاون مع مصر.

وأعتقد أن تطوير العلاقات لا يجب أن يقتصر على الحكومات والسياسيين فقط، بل يجب أن يشمل رجال الأعمال والمثقفين والعلماء والفنانين والإعلاميين والشباب.

لدينا الكثير من القواسم المشتركة.

وإذا سار مصري في شوارع دوشنبه، أو سار طاجيكي في شوارع القاهرة، فلن يشعر بأنه في مكان غريب.

نحن نتمنى أن تصل العلاقات بين طاجيكستان ومصر إلى أعلى المستويات، وأن تتوسع في جميع المجالات، لأن هذه رغبة قيادتي وشعبي البلدين.

وأتقدم في الختام بخالص الشكر لكم، السيد رفعت عبد السميع، على هذا الحوار، وأتمنى لكم ولجميع زملائكم في مجال الإعلام الصحة والنجاح.

35 عامًا من الاستقلال لم تكن بالنسبة لطاجيكستان مجرد مناسبة للاحتفال، بل محطة لاستعراض تجربة دولة تسعى إلى تثبيت حضورها في محيطها الإقليمي والدولي، فيما تبدو القاهرة ودوشنبه أمام فرصة جديدة لتوسيع جسور التعاون، من المياه والطاقة والاستثمار إلى الثقافة والتعليم والسياحة. وبين تاريخ مشترك وإمكانات اقتصادية واعدة، يبقى التحدي الأبرز هو تحويل التقارب السياسي والثقافي إلى مشروعات وشراكات ملموسة تخدم شعبي البلدين.

Loading