بقلم: ديانا نصّار
ليس كلُّ مَن يمشي على قدميه قادرًا على الوصول إلي ما يريده

وليس كلُّ مَن يتكلّم قادرًا على قول كلمةٍ حق
تُطمئن قلبًا أتعبه العمر

هناك إعاقاتٌ نراها بأعيننا، وإعاقاتٌ أخرى تختبئ خلف ملامحَ سليمة، لا يكتشفها الناس

إلا حين يتعرّض قلبٌ بريء للأذى

ومن أقسى واصعب هذه الإعاقات… عقوق الأبناء

صدمة ما بعدها صدمة فالابن العاق قد يكون صحيح الجسد، ناجحًا في عمله، متعلّمًا، صاحبَ منصبٍ ومال،
وربما يتحدّث أمام الناس عن الأخلاق والدين والاخلاص والوفاء، وينصح ويعظ
لكنه يعجز عن أبسط واجب إنساني: أن يرى والديه بعين الرحمة والإنسانية

قد يملك الابن أو البنت
العاقين
هاتفًا لا يفارقهم ، ووقتًا طويلًا لأصدقائهم

ورسائلَ لا تنتهي لمن يحب، لكنه لا يجد دقيقةً يسألو فيها أمّهم: «كيف حالك؟»، ولا لحظةً يجلسو فيها بجوار أبيهم الذي أفنى عمره من أجلهم.
وهنا يصبح السؤال موجعًا:
أيُّ نجاحٍ هذا الذي يجعل الإنسان يربح العالم ويخسر قلبَ مَن كان سببًا في وجوده؟
سؤال يمزق القلب ويوجعه

الأبوان لا يطلبان المستحيل

الأم لا تنتظر من ابنها قصرًا، ولا أبًا يملأ يدها بالمال، بقدر ما تنتظر صوتًا حنونًا، زيارةً صادقة، سؤالًا بسيطًا، ويدًا تمسك يدها حين يثقل عليها العمر.

والأب الذي قضى سنواتٍ يعمل ويتعب، ويعود إلى بيته محمّلًا بالمسؤوليات،

قد لا يحتاج في شيخوخته إلا إلى ابنٍ يشعره أن كل ما فعله لم يذهب هباءً.
لكن مع الاسف بعض الأبناء لا ينتبهون.
يؤجلون الزيارة، ويؤجلون السؤال، ويؤجلون الاعتذار، وكأن الوالدين يملكان عمرًا إضافيًا ينتظرهم.

ثم يأتي اليوم الذي يطرقون فيه الباب فلا يفتح أحد.
يتصلون بالهاتف… فلا يأتي الرد.
ينادون «أمي»… فلا يسمعون صوتًا.
وينطقون باسم «أبي»… فتأتيهم الذكرى بدل الإجابة.
عندها فقط يفهمون أن بعض الاعتذارات تصل متأخرة جدًا.

العقوق ليس مجرد كلمةٍ قاسية ومؤلمة ، أو موقفٍ عابر.
العقوق قد يكون تجاهلًا متكررًا، أو جفاءً مستمرًا، أو إهمالًا يتراكم حتى يصبح الوالدان غريبين في حياة أبنائهما.
وقد يكون أن تتذكّر أمك حين تحتاج إليها، وتنسى أنها تحتاج إليك.
وقد يكون أن تعتبر والدك «قديم التفكير»، فقط لأنه لم يعد قادرًا على مجاراة عالمك السريع.
يا ابن آدم…
تذكّر أن والديك لم يكبرا فجأة.
لقد كبرتَ أنت أمام أعينهما، بينما كان العمر يأخذ منهما شيئًا فشيئًا.
اليد التي أمسكت يدك عندما كنت تخاف،

قد ترتجف اليوم وهي تحتاج إلى يدك.
والعين التي سهرت عليك وأنت مريض، قد تبحث اليوم عن وجهك بين الوجوه.

والصوت الذي كان يناديك كل يوم لتأكل وتنام وتنتبه،

بلاش افتراء علي والديكم

ولا يغرنكم اجسامكم ولا عقولكم ولا أموالكم

قد يصبح يومًا ذكرى لا تستطيع استعادتها مهما دفعت.
لذلك، لا تنتظر مناسبةً لتكون بارًّا.
لا تنتظر المرض.
لا تنتظر عيدًا.
ولا تنتظر جنازةً كي تكتشف قيمة مَن كان ينتظر زيارتك.
فالأم لا تحتاج إلى ابنٍ مثالي، والأب لا يحتاج إلى ابنٍ ثري… إنهما يحتاجان إلى ابنٍاء يشعرون بهم ويسترهم ويحنو عليهم

وإذا كان الإنسان يحنّ إلى أبنائه عندما يكبرون ويبتعدون، فمن باب أولى أن يشعر الأبناء بوالديهم عندما تتراجع صحتهم وتضيق دنياهم.
فليس العجز أن تفقد قدرةً على المشي، أو السمع، أو الكلام.

العجز الحقيقي أن تكون قادرًا على كل شيء، ثم تعجز عن الرحمة بمن أفنى عمره من أجلك.

وربما لهذا يمكننا أن نقول:
الابن العاق ليس مُعاقًا في جسده، لكنه قد يكون مُعاقًا في إحساسه.

وما أقسى أن يعيش الإنسان كامل الجسد، ناقصَ القلب.
فإن كان والداك ما زالا بجانبك، فلا تجعل كبرياءك يمنعك من احتضانهما.

اتصل الآن.
اسأل عنهما.
اقعد بقربهما.
قبّل يديهما.
وقل لهما كلمةً ربما تبدو صغيرة بالنسبة إليك، لكنها قد تساوي عندهما عمرًا كاملًا:
«أنا بحبكم… وربنا يخليكم لي.»
فبعض الكلمات لا تُكلّف شيئًا…
لكن تأخيرها قد يكلّفنا عمرًا كاملًا من الندم.
بقلم: ديانا نصّار

Loading