تعتبر طاحونة محمد علي باشا واحدة من أبرز المعالم الأثرية والمباني التاريخية التي تعكس طبيعة النهضة العمرانية والصناعية التي شهدتها مصر خلال القرن التاسع عشر؛ حيث تقف هذه المنشأة الأثرية الفريدة شاهداً على التقدم الهندسي والمعماري الذي استهدف استغلال الطاقة الطبيعية في عمليات الطحن والتجهيز.
وتكتسب طاحونة محمد علي باشا أهمية استثنائية ضمن التراث المعماري المصري لما تمثله من نموذج نادر لطواحين الهواء التي أُنشئت لتلبية الاحتياجات الاقتصادية والمعيشية للسكان في محافظة البحيرة، مما جعلها محط اهتمام الباحثين والمؤرخين المهتمين بدراسة الآثار الإسلامية والحديثة على حد سواء.
التسجيل والتوثيق التاريخي للطاحونة
حظيت طاحونة محمد علي باشا باهتمام رسمي وتوثيقي مبكر يعكس قيمتها التاريخية والمعمارية العالية؛ إذ جرى تسجيلها رسمياً ضمن قائمة الآثار الإسلامية والقبطية بموجب القرار الوزاري رقم 10357 لسنة 1951م الصادر بتاريخ 21 نوفمبر 1951م، والذي تم نشره في الوقائع المصرية بالعدد رقم 115 بتاريخ 17 ديسمبر 1951م.
كما ورد ذكر هذه المنشأة التاريخية في سجلات لجنة حفظ الآثار العربية والرسومات الهندسية تحت اسم “طاحونة أبو جهل”، واشتهرت أيضاً في المنطقة باسم “طاحونة إدكو”.
وفي إطار جهود الدولة للحفاظ على هذا الأثر الهام وتوفير الحماية اللازمة لحيطه المعماري، صدر في عام 1982م قرار بنزع ملكيتها للمنفعة العامة بمساحة إجمالية تبلغ 52 متراً مربعاً.
الموقع وشخصية المنشئ وتاريخ التأسيس
تقع طاحونة محمد علي باشا في موقع متميز يُعرف بـ “كوم الطواحين” التابع لمدينة إدكو بمحافظة البحيرة؛ وهو موقع جغرافي اختير بعناية للاستفادة من حركية الرياح وحملها القوي في تلك المنطقة الساحلية.
وتعود نسبة هذه الطاحونة إلى مؤسس مصر الحديثة الوالي محمد علي باشا، حيث أُنشئت خلال الفترة الممتدة بين عامي (1220هـ – 1265هـ / 1805م – 1848م)، وهي الفترة التي شهدت إعادة هيكلة شاملة للقطاعات الزراعية والصناعية في البلاد، وتأسيس العديد من المنشآت الخدمية والانتاجية المعتمدة على تقنيات ذلك العصر.
التصميم والمعمار لـ طاحونة محمد علي باشا
يتكون البدن الخارجي لـ طاحونة محمد علي باشا من شكل أسطواني متناسق مبني من الحجر الجيري الصلب، حيث يصل ارتفاع البدن إلى تسعة أمتار كاملة، بينما يبلغ سمك الجدران حوالي خمسين سنتيمتراً لضمان المتانة وتحمل المتغيرات المناخية.
وتعتلي هذا البدن الأسطواني طاقية خشبية مخروطية الشكل صُنعت من عروق خشبية متشابكة وفق هندسة دقيقة تسمح لها بالتجاوب مع حركة التشغيل. ويقع مدخل الطاحونة في الناحية الجنوبية، وتتخلل جدارها الخارجي نافذتان في الجهتين الشمالية والجنوبية لتوفير الإضاءة الطبيعية والتهوية الكافية، وتتقدم البدن مروحة خارجية تتألف من ثماني ريش حديدية تشكل المحرك الرئيسي المعتمد على حركة الرياح.
التوزيع الداخلي ومكونات الطحن
تتألف طاحونة محمد علي باشا من الداخل من مستويين وظيفيين يرتبطان بعناصر حركة رأسية؛ فعبر المدخل الجنوبي توجد حنية تؤدي إلى سلم حلزوني مكون من ست وعشرين درجة يوصل إلى الغرفة العلوية.
وتُعد هذه الغرفة الخشبية العلوية بمثابة مركز العمليات الرئيسي للطحن، حيث تضم حجر الرحى الضخم، وأدوات الطحن المختلفة، بالإضافة إلى المحور الأفقي المكون من برطوم خشبي يحمل ثمانية أذرع مكسوة بطبقات من القماش أو الجلد لتسهيل الدوران.
أما المستوى الثاني فيتمثل في الغرفة السفلية التي يُرجح أن غرض إنشائها كان لاستخدامها في تخزين الغلال والمحاصيل، أو لتكون مقراً واستراحة للعمال أثناء فترات التشغيل والعمل اليومي.
![]()
