يلجأ كثيرون إلى مشاهدة الأفلام والمسلسلات التي ارتبطت بسنوات الطفولة عندما يمرون بحالة من الحزن أو الإحباط، فيعيدون تشغيل أعمال يعرفون أحداثها ونهايتها، ويستعيدون معها مشاعر وذكريات قديمة تبدو أكثر دفئًا وأمانًا من ضغوط الحاضر.

وتفسر أبحاث علم النفس هذا السلوك من خلال مفهوم الحنين إلى الماضي «Nostalgia»، الذي يمكن أن يساعد الإنسان على استعادة الإحساس بالاستمرارية والارتباط بالآخرين خلال الفترات الصعبة، وفقًا للجمعية الأمريكية لعلم النفس.

لماذا نعيد مشاهدة الأفلام والمسلسلات القديمة؟

يعيد الإنسان مشاهدة الأعمال القديمة لأنها لا تقدم له قصة مجهولة أو نهاية تحتاج إلى انتظار، وإنما تمنحه تجربة مألوفة يعرف تفاصيلها مسبقًا، وهو ما قد يجعل المشاهدة أكثر راحة عندما يكون الشخص مستنزفًا نفسيًا ولا يرغب في بذل جهد عاطفي أو ذهني كبير أمام محتوى جديد، وتوضح أبحاث منشورة في دورية Psychology of Popular Media أن استخدام وسائل الإعلام المحفزة للحنين، ومنها الأفلام والمسلسلات، ارتبط لدى المشاركين بمحاولات للتعامل مع الضغوط الاجتماعية والشعور بالعزلة.

ويستدعي العمل القديم ذكريات المرحلة العمرية التي ارتبط بها، فلا يتذكر المشاهد أحداث الفيلم أو المسلسل فقط، وإنما قد يستعيد معها أشخاصًا وأماكن وعادات ومشاعر صاحبت تلك الفترة، وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن الحنين يرتبط غالبًا بتذكر العلاقات والأشخاص الذين كان لهم دور مهم في حياة الفرد، وأن استدعاء تلك الذكريات يمكن أن يعزز الإحساس بالارتباط الاجتماعي.

ويمنح الحنين الإنسان شعورًا بالاستمرارية عندما يشعر أن حياته تغيرت بصورة كبيرة؛ إذ تساعده العودة إلى ذكريات الماضي على تذكّر مراحل كان فيها سعيدًا أو قويًا أو محاطًا بأشخاص مهمين بالنسبة إليه، وتوضح خبيرة الحنين كريستين باتشو، في حديث نشرته الجمعية الأمريكية لعلم النفس، أن استدعاء الماضي خلال الأوقات الصعبة يمكن أن يذكّر الشخص بقدرته السابقة على تجاوز المشكلات والخسائر والإخفاقات.

ويختار بعض الأشخاص الأعمال الكوميدية أو العائلية التي ارتبطت بطفولتهم تحديدًا، لأنها تحمل بالنسبة إليهم إشارات عاطفية تتجاوز محتوى العمل نفسه، فقد يكون مشهد معين مرتبطًا بوقت مشاهدة التلفزيون مع الأسرة، أو بأيام الدراسة والعطلات، أو بمرحلة كانت المسؤوليات فيها أقل، فيتحول العمل مع مرور الوقت إلى وسيلة لاستدعاء تلك الحالة الشعورية.

ويفسر علم النفس هذا التأثير بأن الحنين ليس مجرد تذكر للماضي، وإنما تجربة عاطفية يمكن أن تؤدي وظائف نفسية متعددة، وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن الحنين قد يساعد في تعزيز تقدير الذات والشعور بالارتباط الاجتماعي، كما يمكن أن يمنح الإنسان إحساسًا بأن حياته لها استمرارية رغم التغيرات التي مر بها.

وتكشف بعض الأبحاث عن علاقة بين استدعاء الذكريات الإيجابية وانخفاض الاستجابة للضغط؛ إذ أشار تقرير نشرته الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أبحاث وجدت أن استحضار ذكريات إيجابية يمكن أن يصاحبه انخفاض في مستويات الكورتيزول، مع زيادة نشاط مناطق دماغية مرتبطة بتنظيم المشاعر ومعالجة المكافأة، وكانت التأثيرات أوضح عندما تضمنت الذكريات إحساسًا بالترابط مع الآخرين.

ولا يعني اللجوء إلى ذكريات الطفولة أن الشخص يرفض حياته الحالية أو يريد بالضرورة العودة إلى الماضي، فقد يكون الأمر مجرد طريقة مؤقتة للحصول على الراحة النفسية واستعادة مشاعر مألوفة، ويشير الباحثون إلى أن الحنين قد يكون مفيدًا في التعامل مع الضغوط، لكنه قد يرتبط أيضًا بنمط من الهروب إذا تحول إلى وسيلة دائمة لتجنب الواقع والمشكلات الحالية.

ويفسر ذلك سبب شعور البعض بالراحة بمجرد سماع شارة مسلسل قديم أو رؤية شخصية كرتونية كانوا يحبونها؛ إذ تعمل هذه التفاصيل كإشارات تستدعي شبكة من الذكريات والمشاعر المرتبطة بمرحلة كاملة من الحياة، وليس بالعمل الفني وحده.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني