قبل ساعات من انطلاق انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، تتجه الأنظار إلى الشرق الأوسط، ترقبا لمصير الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، بعد مرور 8 أشهر على اندلاعها، دون تحقيق الأهداف المعلنة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفي مقدمتها القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وتقييد قدرات طهران الصاروخية وبرنامج الطائرات المسيرة.
ورغم تصاعد التوقعات باحتمال استئناف الضربات العسكرية، يحذر قادة عسكريون أمريكيون سابقون ومحللون دفاعيون من أن تجدد المواجهة لن يكون عملية سهلة أو محدودة التداعيات، في ظل المخاوف من رد إيراني قد يمتد إلى منطقة الخليج وخارجها، وهو ما دفع دولا إقليمية إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لتجنب اتساع رقعة الصراع.
وفي هذا السياق، قال وزير الدفاع الأمريكي السابق مارك إسبر، الذي تولى المنصب خلال إدارة ترامب الأولى، إن الرئيس الأمريكي وحده يعرف طبيعة توجهاته المقبلة، مشددا على ضرورة تحديد الإدارة الأمريكية أهدافا واضحة واستراتيجية موثوقة لتحقيقها.
وأشار، وفقا لصحيفة فايننشال تايمز، إلى أن أي هجوم أمريكي إسرائيلي جديد قد يختلف من حيث المدة والنطاق ومستوى الطموح.
ثلاثة سيناريوهات عسكرية أمام ترامب
تتراوح الخيارات المطروحة أمام واشنطن وتل أبيب بين ضربات بحرية محدودة، وحملة جوية موسعة، وعمليات أكثر شمولا تستهدف بنية النظام الإيراني وقدراته العسكرية والاقتصادية.
ويرى جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، أن السيناريو الأقل اتساعا قد يتمثل في توسيع الضربات البحرية ضد الرادارات الساحلية ومنصات إطلاق الصواريخ المضادة للسفن ومواقع الطائرات المسيرة وقواعد الزوارق الصغيرة، بهدف الحد من قدرة إيران على استهداف حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز.
وأوضح فوتيل أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر تصعيد منخفضة نسبيا، إذ قد تتمكن إيران من إعادة بناء قدراتها المستهدفة خلال فترة قصيرة نسبيا.
لكن ترامب ونتنياهو يدرسان خيارات أكثر طموحا، رغم إعلان الرئيس الأمريكي سابقا أنه دمر البرنامج النووي الإيراني خلال حرب الأيام الـ 12 في يونيو 2025، عبر استهداف ثلاثة مواقع نووية رئيسية.
ومن بين الأهداف المحتملة منشأة جبل الفأس، التي يعتقد أنها تضم منشأة عميقة تحت الأرض، فضلا عن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب المدفون تحت أنقاض القصف السابق.
وكان ترامب قد هدد في أكتوبر باستخدام قنبلة MOAB، المعروفة باسم أم القنابل، والتي تزن نحو 21 ألف رطل، وتعد أقوى قنبلة غير نووية في الترسانة الأمريكية.
غير أن استخدامها يواجه تحديات عملياتية، إذ لا يمكن تحميلها على القاذفات التقليدية، ويتطلب إسقاطها استخدام طائرة شحن من طراز C-130 بطيئة الحركة، ما يجعل اختراقها المجال الجوي الإيراني محفوفا بالمخاطر.
وفي المقابل، استخدمت الولايات المتحدة خلال الضربات السابقة القذيفة الخارقة الضخمة MOP، المصممة لاختراق الصخور والتحصينات الخرسانية، لاستهداف المنشآت النووية تحت الأرض في نطنز وفوردو.

وحذر ديفيد أولبرايت، الفيزيائي ورئيس معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، من أن الولايات المتحدة وإسرائيل ربما أصبحتا تعرفان معلومات أقل عن وضع البرنامج النووي الإيراني مقارنة بما كانتا تعرفانه عام 2025، مرجحا حسب مجلة فورين أفيرز وجود منشآت وأفراد مرتبطين ببرنامج التسلح لم يكشف عنهم علنا، ومشيرا إلى احتمال ظهور مفاجآت جديدة خلال أي مواجهة مقبلة.
أما السيناريو الأوسع، فيتضمن حملة عسكرية متعددة الأيام تستهدف المنشآت النووية، وقيادات الحرس الثوري، ومواقع إعادة بناء القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، إلى جانب منشآت مدنية واقتصادية، تشمل المصانع ومصافي النفط ومحطات الطاقة.
وبحسب فايننشال تايمز، كان نتنياهو قد أعد حملة قصف مماثلة خلال الشهر السابق، لكنه لم ينفذها بسبب معارضة ترامب، فيما قدم مسؤولون إسرائيليون مؤخرا إلى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث قائمة محدثة بالأهداف الإيرانية استنادا إلى معلومات استخباراتية جديدة.
ويرى فوتيل أن الهدف من توسيع نطاق الاستهداف هو زيادة الضغط على النظام الإيراني لدفعه إلى الاستجابة للمطالب الأمريكية، معتبرا أن هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحا.
إسقاط النظام هدف يصعب تحقيقه عسكريا
كما أنه رغم دعوة نتنياهو علنا إلى شن هجوم مشترك ومدمر بما يكفي لإسقاط النظام الإيراني، يشكك محللون عسكريون في قدرة حملة جوية، مهما اتسع نطاقها، على تحقيق هذا الهدف.
وقال جوناثان شانزر، خبير شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، حسل منشور له على منصة المؤسسة ذاتها، إن النظام الإيراني أثبت قدرته على الصمود رغم الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية، مشيرا إلى عدم وضوح الاستراتيجية القادرة على تغيير هذا الواقع.
رد إيراني قد يشعل الخليج وأوروبا
وعلى الجانب الآخر لا تقتصر مخاطر التصعيد على المواجهة المباشرة، إذ تحذر طهران من رد غير مسبوق قد يشمل استهداف كابلات الاتصالات البحرية ومراكز البيانات في مضيق هرمز، إلى جانب القواعد التي تستخدمها القوات الأمريكية في أوروبا، ومنها قاعدة في بلغاريا، بما يفتح الباب أمام احتمال تعرض دولة أوروبية لهجوم إيراني مباشر للمرة الأولى.
كما هدد محسن رضائي، المسؤول الأمني الإيراني البارز، بطرح خطط عملياتية جديدة وفتح جبهات إضافية وتقديم مفاجآت أكبر للولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي رسالة له أمس السبت، قال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إنه وجه كافة القوات الإيرانية بتحديث قائمة الأهداف المجهزة للضرب، على أن تشمل جميع الأصول الأميركية والإسرائيلية المادية والمعنوية، والرد الفوري على أي هجوم أمريكي برد فوري ومؤثر ومن دون قيود جغرافية، إلى جانب زيادة إنتاج الذخيرة والأسلحة لأغراض الاستطلاع والدعم والعمليات القتالية.
وفي سبتمبر، أعلنت إيران اختبار صاروخ جديد في بحر عمان، قالت إنه من طراز قاسم بصير، الذي كشف عنه عام 2025، ويبلغ مداه 1200 كيلومتر، ويحمل رأسا حربيا قابلا للمناورة ومزودا بنظام توجيه كهروبصري. وفي المقابل، أعلن الجيش الأمريكي أن سفنه الحربية تمكنت من تفادي عدة هجمات بصواريخ باليستية إيرانية خلال الشهر نفسه.
وحذر داني سيترينوفيتش، الخبير في الشؤون الإيرانية بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، حسب رويترز، من أن استهداف البنية التحتية الحيوية الإيرانية سيغير طبيعة الحرب جذريا، ويرفع احتمالات الرد على منشآت مماثلة في أنحاء الخليج، بما يجعل احتواء الصراع أكثر صعوبة.
البنية التحتية والطاقة سلاح ذو حدين
وإلى جانب ذلك يمثل استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية أحد أخطر السيناريوهات المطروحة، نظرا إلى التداعيات الإنسانية المحتملة على الإيرانيين الذين يعانون بالفعل من العقوبات الدولية والحصار البحري الأمريكي.
وقال روبرت هاروارد، نائب الأدميرال المتقاعد ونائب قائد القيادة المركزية الأمريكية سابقا، حسب CNN، إن استهداف مصافي النفط قد يحرم البلاد من الوقود اللازم لتشغيل السيارات، ويؤدي إلى شلل اقتصادي واسع دون الحاجة إلى ضرب المنشآت العسكرية.

لكن خبراء يحذرون من أن هذا الخيار قد يأتي بنتائج عكسية، إذ توقعت لينيت نوسباخر، المستشارة الأمنية السابقة للحكومة البريطانية، وفقًا لفايننشال تايمز، أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة الإيرانية إلى رد مماثل على البنية التحتية الخليجية، بما يفاقم أزمة الطاقة العالمية ويرفع أسعار الوقود.
كما أكدت أن الولايات المتحدة لا تمتلك خيارات واقعية تضمن حرمان إيران بالكامل من قدراتها على إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
وحذر فوتيل كذلك من احتمال تجدد هجمات الميليشيات العراقية المدعومة من إيران على المصالح الأمريكية، وتصعيد هجمات الحوثيين في اليمن.
استنزاف الترسانة الأمريكية يقيد خيارات الحرب
كما انه إلى جانب المخاطر الميدانية، تواجه واشنطن تحديا يتعلق باستنزاف مخزوناتها من الذخائر، خصوصا الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في التصدي للطائرات والصواريخ الإيرانية.
إذ قال إسبر إن أي حملة جديدة ستفتح الباب أمام ردود إيرانية غير متكافئة، تشمل هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ على المنشآت العسكرية والمدنية في المنطقة، متسائلا عن قدرة الدول الحليفة على توفير مخزونات كافية من الصواريخ الاعتراضية لمواجهة هذه الهجمات لفترة طويلة.
وأظهر تقرير صادر في يوليو عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن تراجع مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية الأمريكية إلى أقل من ألف صاروخ، مقارنة بنحو 2330 قبل الحرب، فيما انخفض مخزون صواريخ ثاد الاعتراضية إلى أقل من 280، مقابل 452 قبل اندلاعها.
وقال مارك كانسيان، المشارك في إعداد التقرير، إن هذه الأرقام لم تتغير بصورة ملحوظة منذ ذلك الحين، مشيرا إلى الاستهلاك المكثف للصواريخ الهجومية بعيدة المدى، مثل توماهوك وصواريخ الضربات الدقيقة، وأن إعادة تعويض المخزون قد تستغرق من سنة إلى خمس سنوات.
وأضاف أن البنتاجون يشعر بقلق بالغ بشأن الاحتفاظ بما يكفي من الأسلحة لأي مواجهة محتملة مع الصين، محذرا من أن الاعتماد على الذخائر قصيرة ومتوسطة المدى بدلا من الأسلحة بعيدة المدى سيزيد المخاطر على القوات الأمريكية، بسبب اضطرارها إلى الاقتراب من الأهداف.
ووفقا لمركز أبحاث الكونجرس، فقد الجيش الأمريكي 81 طائرة تعرضت للتدمير أو الأضرار منذ بداية الحرب، بينها طائرات تحطمت نتيجة النيران الإيرانية، كما قتل 21 عسكريا أمريكيا خلال المواجهات.
التصعيد لا يضمن الحسم
في تعليق له على منصات التواصل الاجتماعي، اعتبر عضو الكونجرس الديمقراطي جيسون كرو، الجندي السابق وعضو لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، أن ترامب وقع في فخ الاعتقاد بأن زيادة التصعيد العسكري كفيلة بإنهاء الأزمة.
وحذر كرو من أن الرهان على أن غارة جوية إضافية ستحسم المواجهة يمثل خطأ استراتيجيا، مستشهدا بتجربتي العراق وأفغانستان، اللتين استنزفتا الولايات المتحدة لأكثر من 25 عاما وكلفتاها ما يزيد على ثلاثة تريليونات دولار.
فبينما يدرس ترامب ونتنياهو خيارات استئناف العمليات العسكرية، تكشف المعطيات أن أي تصعيد جديد قد يتجاوز حدود البرنامج النووي الإيراني، ليفتح جبهات متعددة في الخليج والبحر الأحمر وأوروبا، ويضع المصالح الأمريكية وحلفاءها أمام اختبار عسكري واقتصادي يصعب التحكم في نتائجه.
فالمعضلة لم تعد مرتبطة بقدرة واشنطن على توجيه ضربات جديدة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق أهداف سياسية واستراتيجية واضحة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة أو استنزاف طويل الأمد.
![]()
