بقلم : بسيونى أبوزيد
لأن الكلمة أمانة ، والرجال المخلصون تبقى مواقفهم محفورة في ذاكرة الناس مهما مرت السنوات رجالٌ يرحلون عن المناصب ، وتبقى مواقفهم محفورة بحروف من ذهب
هناك رجالٌ لا تُقاس قيمتهم بالمناصب التي شغلوها، ولا بعدد السنوات التي قضوها في مواقع المسؤولية، بل بما تركوه من أثر طيب في قلوب الناس، وما قدموه من مواقف إنسانية نبيلة تظل شاهدة على أصالة معدنهم ونبل أخلاقهم. ومن هؤلاء الرجال، سعادة السفير خالد طه، القنصل العام المصري الأسبق بفرانكفورت، الذي أنهى خدمته الرسمية، لكن مواقفه المشرفة ستظل حاضرة في ذاكرة أبناء الجالية المصرية، تروي سيرة رجل أدرك أن خدمة المواطن ليست مجرد وظيفة، بل رسالة ومسؤولية وشرف.
شهادة حق لا بد أن تُقال
من واجب الوفاء أن نقول كلمة حق في رجل يستحق الشكر والتقدير، ومن واقع ما عايشته وشهدته بنفسي، فإنني أستطيع أن أؤكد أن هناك مواقف ستظل محفورة في ذاكرتي بحروف من ذهب، وستبقى شاهدًا على ما قدمه السفير خالد طه من جهود إنسانية ومواقف مشرفة خلال فترة عمله قنصلًا عامًا لمصر في فرانكفورت.
وأتذكر جيدًا أحد هذه المواقف التي تختصر الكثير من معاني المسؤولية والإنسانية؛ عندما فقد طالب مصري جواز سفره في مطار فرانكفورت، وأصبح مهددًا بتعطّل رحلته وعودته إلى أرض الوطن.
تواصل معي الطالب، فقمت بدوري بالاتصال بسعادة السفير خالد طه، وشرحت له ظروف الطالب القهرية. ولم يتردد الرجل في التحرك، رغم أن ذلك اليوم كان يوم عطلة رسمية، فتم فتح أبواب القنصلية واتخاذ الإجراءات اللازمة لاستخراج وثيقة سفر للطالب خلال ساعات معدودة، حتى يتمكن من استكمال رحلته إلى مصر.
تخيلوا قيمة هذا الموقف بالنسبة لشاب وجد نفسه في أزمة خارج وطنه، ثم وجد مسؤولًا يتحرك من أجله في يوم إجازته، دون أن يقف عند حدود المواعيد الرسمية أو اعتبارات الراحة الشخصية!
لم يكن الأمر مجرد وثيقة سفر، بل كان رسالة طمأنينة لمواطن مصري مفادها أن وطنه لا يتخلى عنه، وأن هناك رجالًا يدركون أن المسؤولية الحقيقية تظهر في أوقات الشدة.
مواقف إنسانية تتجاوز حدود الوظيفة
ولم يكن هذا الموقف استثناءً، بل كان واحدًا من مواقف إنسانية عديدة شهدتها خلال فترة عمل السفير خالد طه.
فكم من مواطن احتاج إلى إنهاء أوراق رسمية بصورة عاجلة، وكم من أسرة ألمّت بها مصيبة وفاة أحد ذويها في الغربة، وكانت تنتظر إنهاء إجراءات نقل الجثمان إلى أرض الوطن في أسرع وقت ممكن، وكم من حالات إنسانية احتاجت إلى سرعة التحرك لاستكمال الإجراءات اللازمة.
في مثل هذه الظروف القاسية، لا تكون المعاملات مجرد أوراق وأختام، بل ترتبط بمشاعر أسر مكلومة، وقلوب يملؤها القلق، وأشخاص ينتظرون بارقة أمل تخفف عنهم وطأة الغربة والمحنة.
وكان من المواقف التي أقدّرها الحرص على تسريع الإجراءات المتعلقة بالحالات الإنسانية، وإنهاء أوراق نقل الجثامين في أسرع وقت ممكن بعد التحقق من بيانات المتوفين، فضلًا عن متابعة طلبات استعجال الموافقات الأمنية لدخول مصر في الحالات الإنسانية التي تستدعي ذلك.
وهنا تتجلى قيمة المسؤول الذي يعرف متى تكون السرعة واجبًا إنسانيًا، ومتى يصبح الاهتمام بتفاصيل معاناة المواطن جزءًا أصيلًا من واجبات منصبه.
القنصلية بيت المصريين في الغربة
ومن الأمور التي تستحق الإشادة أيضًا التواصل مع أبناء الجالية المصرية، والاستماع إلى مشكلاتهم، والعمل على تذليل العقبات التي تواجههم بالتنسيق مع الجهات المختصة.
فالمواطن المصري في الخارج يحتاج إلى من يشعره بأن مؤسسات وطنه قريبة منه، وأن صوته مسموع، وأن هناك من يسعى إلى مساعدته عندما تضيق به السبل.
ومن واقع ما شهدته بنفسي من مواقف، فإنني أرى أن هذه النماذج المشرفة تترك أثرًا يتجاوز فترة تولي المسؤولية؛ لأن المواطن قد ينسى بعض التفاصيل بمرور الزمن، لكنه لا ينسى أبدًا من وقف بجانبه في وقت الشدة، أو من أعاد إليه الأمل عندما ظن أن أبواب الحل قد أُغلقت.
شكرًا سعادة السفير خالد طه
إن انتهاء فترة عمل السفير خالد طه قنصلًا عامًا لمصر في فرانكفورت لا يعني انتهاء أثره في نفوس أبناء الجالية المصرية، فالمناصب بطبيعتها مؤقتة، أما المواقف النبيلة فتبقى، والذكريات الطيبة لا تمحوها السنوات.
وإذا كانت صفحات السجلات الرسمية تحفظ أسماء من تولوا المسؤولية، فإن ذاكرة الناس تحفظ أولئك الذين تعاملوا معهم بإنسانية، وحرصوا على مصالحهم، وبذلوا الجهد من أجل تخفيف معاناتهم.
ومن هنا، فإن كلمات الشكر والتقدير للسفير خالد طه ليست مجاملة عابرة، بل شهادة حق أقدمها من واقع مواقف عايشتها بنفسي، وأمانة تفرضها قيمة الوفاء لكل من أدى واجبه بإخلاص، وترك بصمة طيبة في حياة الآخرين.
شكرًا لسعادة السفير خالد طه على ما قدمه من جهود ومواقف إنسانية مشرفة، وعلى كل لحظة شعر فيها مواطن مصري بأن هناك من يقف إلى جواره ويسعى إلى مساعدته.
شكرًا لرجل أدرك أن قيمة المسؤول لا تكمن في المنصب الذي يشغله، بل في الأثر الذي يتركه بعد مغادرته.
وستظل هذه المواقف وغيرها حاضرة في ذاكرة أبناء الجالية المصرية بفرانكفورت، وستبقى جزءًا من تاريخ مشرف وذكريات طيبة يعتز بها كل من عرفه أو تعامل معه.
فإلى الرجال الذين يؤدون رسالتهم بإخلاص نقول: قد تغادرون مواقع المسؤولية، لكنكم لا تغادرون ذاكرة الناس، وقد تنتهي سنوات خدمتكم الرسمية، لكن رصيدكم من المواقف النبيلة يظل شاهدًا لكم لا عليكم.
تحية تقدير ووفاء للسفير خالد طه.. مع خالص الأمنيات له بدوام الصحة والتوفيق، وأن يجزيه الله خير الجزاء عما قدمه من جهود ومواقف إنسانية مشرفة في خدمة مصر وأبناء مصر

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني