أعلنت وزارة العدل الأمريكية في واشنطن، يوم الأربعاء 26 أغسطس، أن السلطات تمكنت من تعطيل شبكة إلكترونية كانت تستخدم، وفق التحقيقات الأمريكية، في الوصول إلى أجهزة وشبكات تابعة لمؤسسات حكومية وشركات ومرافق مهمة داخل الولايات المتحدة، والقضية تبدو في أوراقها الأولى شديدة الصلة بعالم الحاسبات والبرامج والخوادم، لكن صورتها تصبح أبسط عندما نعرف أن المهاجم كان يبحث عن أجهزة ضعيفة يستطيع الدخول إليها، ثم يستخدم هذه الأجهزة ممرات تقوده إلى أهداف أكبر وأكثر أهمية.

طريقة العمل تشبه شخصًا يريد الوصول إلى بيت مغلق، فيبدأ بالبحث عن باب جانبي أو نافذة ضعيفة، ثم يدخل منها إلى مكان يسمح له بالحركة أبعد مما كان يستطيع من الخارج. وعالم الإنترنت يعطي هذه الطريقة حجمًا أكبر بكثير، لأن المهاجم يستطيع أن يفحص أعدادًا هائلة من الأجهزة بحثًا عن جهاز لم تُحدَّث حمايته أو جهاز ترك صاحبه فيه ثغرة، ثم يستخدم الجهاز الذي سيطر عليه محطة يمر من خلالها إلى شبكة أخرى، وقد تمتد الرحلة عبر أجهزة موجودة في عدة دول حتى يصبح تحديد المكان الذي بدأ منه الهجوم أكثر صعوبة.

قطاعات حيوية في دائرة الاستهداف
السلطات الأمريكية تقول إن الأهداف شملت مؤسسات حكومية وقطاعات تتصل بالطاقة والاتصالات والصحة والمال والصناعات الدفاعية، وهذه القائمة تعطي القضية وزنها الحقيقي، لأن الدولة الحديثة تعتمد في جزء كبير من عملها اليوم على شبكات الحاسبات، فوزارة كبيرة تحتفظ ببياناتها على أجهزة، وشركة كهرباء تدير جزءًا من منشآتها من خلال أنظمة إلكترونية، ومستشفى يعتمد على شبكات تربط المرضى والأطباء والأجهزة، والبنوك وشركات الاتصالات والمصانع تعمل بالطريقة نفسها بدرجات مختلفة.
المخترق الذي ينجح في دخول إحدى هذه الشبكات يستطيع أن يجمع معلومات تتجاوز الملف الذي جاء يبحث عنه في البداية، لأنه يرى طريقة ترتيب الشبكة، ويعرف الأجهزة الموجودة داخلها، ويتعرف إلى الأشخاص الذين يملكون صلاحيات واسعة، ويستطيع أن يكتشف نقاطًا ضعيفة قد تظل مفيدة له فترة طويلة، ولذلك تصبح المعرفة التي يحصل عليها أثناء وجوده داخل الشبكة جزءًا أساسيًا من قيمة العملية كلها.
الرواية الأمريكية تربط النشاط الذي جرى تعطيله بجهات وشركات صينية، وتشير إلى صلات مع مؤسسات رسمية في الصين، وهذه الصلات تضع القضية في إطار أوسع من الجرائم التي ينفذها أفراد بحثًا عن المال، لأنها تدخل مباشرة في عالم جمع المعلومات والصراع بين الدول، وهو عالم قديم تغيرت أدواته بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

الجاسوس في عصر الشبكات
الجاسوس في الصورة القديمة كان يحتاج إلى الاقتراب من شخص يملك سرًا، أو الوصول إلى ورقة محفوظة في مكتب، أو تصوير خريطة أو تقرير، أما الجاسوس في عصر الشبكات فيستطيع أن يعمل من مسافة آلاف الكيلومترات، وأن يحصل خلال فترة قصيرة على كمية من المعلومات كانت تحتاج في الماضي إلى شبكة كاملة من الأشخاص، كما تستطيع الدولة أن تعتمد على شركات أو مجموعات متخصصة تعمل خارج أجهزتها الرسمية المباشرة، وهو ما يجعل إثبات الطريق الذي يصل بين منفذ العملية وصاحب القرار مهمة فنية وسياسية في الوقت نفسه.
واشنطن تقول إن التحقيقات والآثار التي تركتها عمليات الاختراق تقود إلى جهات صينية، وبكين تواجه مثل هذه الاتهامات عادة بالتأكيد على أنها تعارض الهجمات الإلكترونية، وبالإشارة إلى القدرات الواسعة التي تملكها الولايات المتحدة نفسها في مجال التجسس الرقمي، وهنا يظهر واحد من أكثر جوانب الصراع تعقيدًا، لأن القوى الكبرى كلها تجمع المعلومات عن خصومها، بينما يصبح الخلاف أكثر حدة عندما يصل النشاط إلى شبكات الطاقة أو الاتصالات أو المؤسسات الحكومية التي يمكن أن يكون تعطيلها مؤثرًا في حياة الناس وفي قدرة الدولة على العمل أثناء أزمة.

الأمن الإلكتروني في صراع واشنطن وبكين
توقيت القضية يضيف إليها معنى سياسيًا آخر، لأن واشنطن وبكين تستعدان لاتصالات مهمة في فترة تمتلئ أصلًا بملفات خلافية بين البلدين، تبدأ بالتجارة والرسوم والقيود المفروضة على التكنولوجيا، وتمتد إلى الذكاء الاصطناعي وتايوان والتوازن العسكري في آسيا، ويأتي الأمن الإلكتروني في قلب هذه الملفات لأن التكنولوجيا أصبحت في الوقت نفسه أداة اقتصادية ووسيلة لجمع المعلومات ووسيلة لحماية الدولة من خصومها.
زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن تضع القضية في خلفية المشهد حتى إذا جرى بحث موضوعات أخرى أمام الكاميرات، لأن الجانب الأمريكي يدخل اللقاء وهو يتحدث عن محاولات اختراق يقول إنها مرتبطة بالصين، بينما يدخل الجانب الصيني وهو يعرف أن الولايات المتحدة تملك بدورها قدرات ضخمة في التجسس الإلكتروني، ويعرف الطرفان أن المنافسة بينهما أصبحت تتحرك في مجال لا تظهر فيه السفن والطائرات بوضوح، وإنما تتحرك فيه البرامج والخوادم والأجهزة التي تعمل في هدوء.
تجربة السنوات الماضية توضح أن البلدين حاولا من قبل الوصول إلى قواعد تقلل بعض أشكال الصراع الإلكتروني، وبرز ذلك بوضوح في تفاهمات سنة 2015 المتعلقة بسرقة أسرار الشركات والمعلومات التجارية، لكن الميدان اتسع بعد ذلك بسرعة كبيرة، لأن العالم أصبح أكثر اعتمادًا على الإنترنت، والذكاء الاصطناعي دخل في أدوات البحث والهجوم والدفاع، والرقائق الإلكترونية أصبحت جزءًا من حسابات الأمن القومي، وشبكات الاتصالات تحولت إلى واحد من أهم ميادين المنافسة بين الدولتين.

صراع مستمر على أبواب الشبكات
العملية التي أعلنتها الولايات المتحدة تمثل في النهاية جولة داخل صراع أطول، فقد نجحت السلطات الأمريكية ــ بحسب روايتها ــ في تعطيل أدوات ومسارات كان المهاجمون يستخدمونها، وسوف تحاول الجهات التي تقف خلف هذه الأنشطة أن تبحث عن أدوات أخرى، كما سوف تستمر أجهزة الأمن الأمريكية في البحث عن تلك الأدوات قبل أن تصل إلى أهدافها.

الدولة الحديثة تملك اليوم ملايين الأبواب الإلكترونية، وبعض هذه الأبواب موجود داخل وزارة أو شركة كهرباء، وبعضها موجود في جهاز صغير يتصل بالشبكة ولا يلتفت إليه أحد، ومن هنا يصبح الدفاع مهمة دائمة، كما يصبح البحث عن الثغرات مهمة دائمة للطرف الآخر.
لقاء واشنطن المقبل سوف يحمل أمام الناس عناوين التجارة والتكنولوجيا وتايوان، وسوف يحمل خلفها سؤالًا أكثر هدوءًا يتعلق بقدرة أكبر قوتين في العالم على وضع حدود لهذا النوع من الصراع، لأن كل طرف يعرف أن الطرف الآخر يحاول أن يرى ما يجري داخل شبكاته، وكل طرف يعرف أيضًا أن المعلومة التي يحصل عليها اليوم قد تصبح في لحظة أزمة، بعد سنة أو بعد عشر سنوات، أكثر قيمة من يوم الحصول عليها.
![]()
