في التعليم لا تُقاس قوة الدول بعدد المدارس التي تبنيها، ولا بحجم المناهج التي يدرسها الطلاب، وإنما بقدرتها على صناعة الإنسان القادر على التفكير، والإبداع، والمنافسة، وصناعة المستقبل.
ومن هذا المنطلق، يبدو تطوير منظومة التعليم المصرية أكبر من مجرد عملية إصلاح إداري أو تحديث للمناهج؛ فهو مشروع لبناء الإنسان، يبدأ من المعلم، ويمر بالقيادة المدرسية، وينتهي بتكوين طالب يمتلك أدوات التعامل مع عالم سريع التغير.
اجتماع الرئيس السيسي
وفي هذا الإطار، جاء اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، واللواء أركان حرب محمد صلاح التركي، مدير الأكاديمية العسكرية المصرية، ليكشف عن توجه واضح نحو إعادة بناء منظومة التعليم من داخلها، عبر الاستثمار في العنصر البشري، ورفع كفاءة المعلمين والقيادات المدرسية، وتطوير آليات اختيار الكوادر التي تتولى مسؤولية بناء الأجيال الجديدة.
توجيهات الرئيس الإنسان أولاً
المحور الأساسي الذي فرض نفسه خلال الاجتماع تمثل في تأكيد الرئيس السيسي أن تطوير التعليم يبدأ من الاستثمار في العنصر البشري، باعتباره الركيزة الحقيقية لأي إصلاح تعليمي قابل للاستمرار.
فمهما تطورت التكنولوجيا، وتعددت المنصات الرقمية، ودخل الذكاء الاصطناعي إلى الفصول الدراسية، يظل المعلم هو الحلقة الأكثر تأثيرًا في تشكيل شخصية الطالب وقدرته على التعلم والتفكير.
ولذلك اتجهت الدولة إلى تطوير آليات انتقاء وإعداد الكوادر العاملة داخل المدارس، بما يضمن اختيار العناصر الأكثر قدرة وتأهيلها وفق معايير متقدمة.
وشدد الرئيس على ضرورة تطوير استراتيجيات وبرامج متقدمة لتأهيل وتدريب الكوادر التعليمية، بما يتوافق مع أعلى المعايير، ويضمن توفير بيئة تعليمية متكاملة ومناسبة للطلاب.
وهنا تتجاوز القضية مفهوم «تدريب المعلم» بمعناه التقليدي؛ فالتدريب وفق هذا التصور لا يهدف فقط إلى تحسين أداء الموظف داخل الفصل، وإنما إلى إعادة تعريف دوره باعتباره شريكًا أساسيًا في صناعة مستقبل المجتمع.
الأكاديمية العسكرية وإعداد الكوادر التعليمية
وفي سياق هذا التوجه، استعرض مدير الأكاديمية العسكرية المصرية نتائج اختبارات القبول للمرحلة الخامسة من مسابقة وزارة التربية والتعليم لتعيين المعلمين.
وتكشف هذه الخطوة عن اتجاه الدولة إلى تعزيز معايير اختيار الكوادر قبل دخولها إلى المنظومة التعليمية، بحيث لا يصبح سد العجز في أعداد المعلمين هدفًا منفردًا، وإنما يقترن باختيار وتأهيل العناصر القادرة على تحمل مسؤولية العمل التربوي.
كما أكد الرئيس صرف العلاوة الشهرية الخاصة باجتياز دورات الأكاديمية العسكرية المصرية التي استغرقت من 3 إلى 6 أشهر، للمعلمين ومديري المدارس الذين اجتازوا هذه الدورات، على أن يبدأ الصرف خلال شهر سبتمبر الجاري.
وتحمل هذه الخطوة دلالة تتجاوز الجانب المالي؛ إذ تعكس توجهًا نحو ربط التطوير المهني للكوادر التعليمية بالتقدير والتحفيز، وإعطاء التدريب والتأهيل قيمة عملية داخل المسار الوظيفي.
المدرسة والقيادة المؤهلة
لا يمكن بناء مدرسة حديثة من خلال تطوير المناهج وحدها، لأن المدرسة في جوهرها مؤسسة يقودها بشر، وتحتاج إلى قيادة قادرة على اتخاذ القرار وإدارة الموارد وفهم احتياجات الطلاب والمعلمين.
ومن هنا ركز الاجتماع على تطوير القيادات المدرسية، باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لإحداث تغيير حقيقي داخل المؤسسات التعليمية.
وفي هذا السياق، استعرض وزير التربية والتعليم إطلاق برنامج تدريبي متخصص بالأكاديمية العسكرية المصرية بالتعاون مع جامعة هارفارد الأمريكية، لتأهيل نحو 220 من مديري وقيادات المدارس الحكومية من مختلف المحافظات.
كما جرى استعراض أوجه التعاون مع جامعة هيروشيما اليابانية لتدريب عدد من المعلمين وتأهيلهم ليصبحوا قادة للتطوير التربوي، بما يسمح بنقل بعض الخبرات المستفادة من التجربة اليابانية إلى المدارس المصرية.
ويكشف هذا المسار عن فلسفة جديدة في التعامل مع القيادة التعليمية؛ فالمدير لم يعد مجرد مسؤول إداري يتابع الحضور والانصراف والملفات، وإنما أصبح عنصرًا محوريًا في صناعة بيئة تعليمية قادرة على التطور المستمر.
هارفارد وهيروشيما الخبرة الدولية في خدمة المدرسة المصرية
فيما لا يستهدف التعاون مع المؤسسات التعليمية الدولية استنساخ تجارب أجنبية داخل مصر، بقدر ما يستهدف الاستفادة من الخبرات المتراكمة وتكييفها بما يتناسب مع طبيعة المجتمع المصري واحتياجاته.
ومن هذا المنظور، يمثل التعاون مع جامعة هارفارد في مجال تأهيل القيادات المدرسية، والتعاون مع جامعة هيروشيما في مجال إعداد قادة التطوير التربوي، جزءًا من محاولة بناء منظومة تعليمية تستفيد من أفضل الممارسات العالمية دون أن تفقد خصوصيتها.
وأكد الرئيس أهمية بناء قدرات المعلمين، باعتبارهم الركيزة الأساسية لتطوير المدرسة، إلى جانب تنمية مهارات التفكير المنظومي لدى القيادات المدرسية، بما يعزز قدرة المؤسسات التعليمية على التعامل مع التحديات بصورة أكثر شمولًا.
التعليم أمام عصر جديد
فيما لم يعد تطوير التعليم منفصلًا عن التحولات التكنولوجية التي يشهدها العالم. فقد استعرض وزير التربية والتعليم خلال الاجتماع نتائج مشاركته في أعمال المجلس التنفيذي لمنظمة اليونيسف في نيويورك، وما تم عرضه بشأن التجربة المصرية في إصلاح وتطوير منظومة التعليم.
وشملت التجربة توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي للانتقال من المبادرات محدودة النطاق إلى إصلاحات شاملة تمتد إلى المنظومة التعليمية بأكملها.
كما أشار الوزير إلى إدراج مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب الصف الأول الثانوي، وتدريسها لطلاب الصف الثاني في نظام البكالوريا ضمن مسار الهندسة وعلوم الحاسب.
وهذه الخطوة تعكس تحولًا في فلسفة التعليم نفسها؛ فالمطلوب لم يعد أن يحفظ الطالب المعلومات، وإنما أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من إنتاج المعرفة والتعامل مع التكنولوجيا وفهم العالم الرقمي الذي سيعمل ويعيش داخله.
التطوير التكنولوجي
التطوير التكنولوجي لا يمكن أن ينجح إذا لم تصاحبه معالجة للمشكلات الأساسية داخل المدرسة.
ولذلك استعرض وزير التربية والتعليم جهود الدولة في خفض الكثافات داخل الفصول وسد العجز في معلمي المواد الأساسية.
وقد أسهمت هذه الإجراءات في عودة الطلاب إلى المدارس وارتفاع نسبة الحضور لتصل إلى 87%.
وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة؛ لأن المدرسة لا تؤدي دورها الحقيقي عندما تتحول إلى مكان للحصول على شهادة فقط، وإنما عندما تصبح بيئة يومية للتعلم والتفاعل وبناء الشخصية.
فالفصل الدراسي ليس مجرد مساحة تجمع الطلاب، والمعلم ليس مجرد ناقل للمعلومة، والمدرسة ليست مجرد محطة في المسار التعليمي؛ إنها البيئة التي تتشكل داخلها أجزاء واسعة من شخصية الإنسان.
مصر تنقل تجربتها إلى العالم
كما تناول الاجتماع جهود مصر في تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية والدول التي تواجه تحديات مشابهة في قطاع التعليم، تحت مظلة الأمم المتحدة، بهدف نقل الخبرات المصرية في التعامل مع هذه التحديات دون تحميل موازنات تلك الدول أعباء إضافية.
وهذا البعد يعكس تحولًا آخر في رؤية الدولة للإصلاح التعليمي، من مجرد التعامل مع التحديات المحلية إلى المشاركة في صياغة حلول يمكن الاستفادة منها دوليًا.
إصلاح التعليم يبدأ من الإنسان
تكشف توجيهات الرئيس السيسي خلال الاجتماع عن فلسفة واضحة، لا يمكن بناء تعليم حديث من دون بناء الإنسان الذي يقوده.
فالمناهج يمكن تعديلها، والتكنولوجيا يمكن تحديثها، والمدارس يمكن تطوير بنيتها، لكن العنصر البشري يظل العامل الحاسم في تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج حقيقية.
ومن هنا جاءت الدعوة إلى رفع مستوى انتقاء المعلمين، وتطوير برامج التدريب، وتأهيل القيادات، والاستفادة من الخبرات الدولية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي، وخفض كثافات الفصول، وسد العجز في المعلمين، وتحسين حضور الطلاب.
إن المعركة الحقيقية في التعليم ليست بين كتاب ورقي ومنصة رقمية، ولا بين طريقة تدريس قديمة وأخرى حديثة، وإنما بين منظومة تستطيع أن تواكب المستقبل وأخرى تظل أسيرة أدوات الماضي.
ولهذا فإن توجيه الرئيس بتوفير تعليم عالي الجودة، والاستثمار في العنصر البشري، ورفع كفاءة القيادات التربوية، لا يمثل مجرد تكليف حكومي جديد، وإنما يعكس إدراكًا بأن مستقبل الدولة يبدأ من الفصل الدراسي.
فحين يصبح المعلم أكثر كفاءة، والمدير أكثر قدرة على القيادة، والطالب أكثر قدرة على التفكير، تتحول المدرسة من مؤسسة تؤدي وظيفة تعليمية إلى مؤسسة تصنع المستقبل.
وفي النهاية، فإن جودة التعليم ليست ترفًا إداريًا ولا هدفًا منفصلًا عن مسار التنمية؛ إنها الاستثمار الأكثر عمقًا في الدولة المصرية، لأن الأجيال التي تتعلم اليوم هي ذاتها التي ستتولى غدًا إدارة الاقتصاد، وصناعة التكنولوجيا، وقيادة المؤسسات، وحماية مكتسبات الدولة.
تطوير المدرسة المصرية
ومن ثم، فإن تطوير المدرسة المصرية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مشروعًا لتغيير التعليم فحسب، بل باعتباره مشروعًا لإعادة تشكيل الإنسان المصري بما يجعله أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر امتلاكًا لأدوات المستقبل، وأكثر استعدادًا لعالم لن تكون فيه المعرفة وحدها كافية، وإنما ستكون القدرة على التفكير والتعلم المستمر وصناعة الحلول هي معيار التفوق الحقيقي.
![]()
