بقلم: إيمان جودة
منذ أن عرفت البشرية معنى الأسرة، ظل هناك سؤال يتكرر بأشكال مختلفة: من الأقوى… الرجل أم المرأة؟
سؤال يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة أكبر من أن تكون إجابته بكلمة «الرجل» أو «المرأة». لأن القوة ليست عضلات فقط، وليست صوتًا مرتفعًا، وليست قدرة على فرض الرأي، وليست منصبًا أو مالًا أو سلطة.
القوة الحقيقية هي أن تتحمل، وتحتوي، وتصبر، وتواجه، وتستمر عندما يكون الاستسلام أسهل.
وعندما يقول الله تعالى: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ»، فالقوامة ليست تصريحًا مفتوحًا للسيطرة أو الإهانة أو التقليل من شأن المرأة، وإنما مسؤولية ورعاية وإنفاق وحماية، أي أنها تكليف قبل أن تكون تشريفًا.
الرجل بطبيعته قد يميل في كثير من المواقف إلى التفكير بعقلانية وحساب النتائج قبل اتخاذ القرار، بينما المرأة غالبًا ما تتعامل مع الحياة بمزيج من العقل والقلب، وتدخل العاطفة في حساباتها بصورة أكبر.
لكن هل معنى ذلك أن الرجل أقوى؟
ليس بالضرورة.
فالعاطفة التي يظن البعض أنها نقطة ضعف لدى المرأة قد تكون في أوقات كثيرة مصدرًا هائلًا من مصادر قوتها.
المرأة التي تبكي ثم تمسح دموعها وتكمل طريقها… قوية.
المرأة التي تحمل هموم بيت كامل ولا يعرف أحد كم تتعب… قوية.
الأم التي تسهر على طفلها، وتنسى تعبها من أجل راحته… قوية.
الزوجة التي تقف بجوار زوجها في أصعب أيامه، وتمنحه الأمل عندما يفقده… قوية.
والمرأة التي تتعرض للخذلان، ثم تعيد بناء نفسها من جديد، دون أن تتحول إلى إنسانة قاسية… هذه ليست ضعيفة، بل تمتلك قوة لا يراها كثيرون.
والأجمل أن المرأة ليست مطالبة بأن تصبح نسخة من الرجل حتى تثبت أنها قوية.
هي قوية بأنوثتها، بعقلها، بحنانها، بصبرها، وبقدرتها العجيبة على الجمع بين أشياء متناقضة في وقت واحد.
قد تجد امرأة تدير منزلًا، وتربي أبناء، وتعمل، وتواجه مشكلات الحياة، وتساند أسرتها، ثم تجدها في نهاية اليوم تقول: «أنا كويسة».
هذه الجملة وحدها قد تخفي خلفها معركة كاملة لا يعلم تفاصيلها أحد.
وفي المقابل، لا يمكن أن ننكر قوة الرجل أيضًا.
فالرجل الذي يتحمل مسؤولية أسرة، ويسعى من أجل أبنائه، ويخفي قلقه حتى لا يخاف من حوله، ويواصل العمل رغم الضغوط، هو أيضًا إنسان يحمل فوق كتفيه الكثير.
إذن، لماذا نحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى مباراة؟
لماذا نصر على أن يفوز أحدهما ويخسر الآخر؟
الحقيقة أن الأسرة لا تحتاج إلى رجل ينتصر على امرأة، ولا إلى امرأة تنتصر على رجل. الأسرة تحتاج إلى رجل وامرأة ينتصران معًا على صعوبات الحياة.
الرجل ليس أقوى لأنه رجل، والمرأة ليست أقوى لأنها امرأة.
القوة تختلف من إنسان إلى آخر.
قد يكون الرجل أقوى في موقف يحتاج إلى الحسم، وقد تكون المرأة أقوى في موقف يحتاج إلى الصبر والاحتواء.
قد يستطيع الرجل تحمل ضغط العمل لساعات طويلة، بينما تستطيع المرأة تحمل ضغوط نفسية وعائلية متواصلة لا يراها أحد.
وقد يحدث العكس أيضًا.
لذلك، فإن اختزال القوة في الجنس ظلم للطرفين.
الرجل الحقيقي لا يخاف من امرأة قوية.
بل يفتخر بها.
والمرأة الواعية لا ترى قوة الرجل تهديدًا لها، بل سندًا إذا كان يستخدم قوته في المسؤولية والحماية والاحتواء.
القوامة الحقيقية لا تعني أن يقول الرجل: «أنا الرجل، إذن أنا الآمر الناهي».
القوامة تعني أن يكون الرجل أهلًا للمسؤولية التي حملها.
أن يكون سندًا وقت الخوف.
وأمانًا وقت القلق.
وحكمة وقت الخلاف.
وكرامةً للمرأة التي اختارت أن تكمل معه الطريق.
فالرجل الذي يهين زوجته ليس قويًا.
والذي يكسرها نفسيًا ليس قويًا.
والذي يستخدم يده أو سلطته لإخضاعها ليس قويًا.
القوة الحقيقية أن تستطيع أن تكون قويًا دون أن تظلم من هو أضعف منك.
وكذلك المرأة القوية ليست هي التي تهين الرجل أو تقلل منه أو تحاول إلغاء دوره.
المرأة القوية هي التي تعرف قيمتها، وتحافظ على كرامتها، وفي الوقت نفسه تعرف كيف تبني بيتًا قائمًا على الاحترام المتبادل.
نحن في زمن تغيرت فيه أدوار كثيرة.
المرأة أصبحت تتعلم وتعمل وتشارك في المجتمع وتتحمل مسؤوليات ضخمة، والرجل كذلك يواجه ضغوطًا اقتصادية واجتماعية ونفسية كبيرة.
ولهذا أصبحنا بحاجة إلى مفهوم جديد للقوة:
قوة بلا غرور، ومسؤولية بلا تسلط، وحرية بلا تعدٍّ، وحب بلا إهانة.
الرجل قد يفكر بعقله، والمرأة قد تميل إلى قلبها، لكن أجمل القرارات هي التي يجتمع فيها العقل والقلب.
فالعقل وحده قد يكون قاسيًا.
والعاطفة وحدها قد تكون متسرعة.
أما حين يلتقي العقل بالعاطفة، يصبح الإنسان أكثر توازنًا.
وربما لهذا السبب تحديدًا تكون المرأة أحيانًا أقوى مما يظن البعض؛ لأنها لا تواجه الحياة بعقلها فقط، ولا بقلبها فقط، وإنما تحمل الاثنين معًا.
وفي النهاية، لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو:
«من الأقوى… الرجل أم المرأة؟»
السؤال الأهم هو:
«من الأكثر قدرة على تحمل المسؤولية، واحترام الآخر، ومواجهة الحياة دون أن يكسر من حوله؟»
هناك رجال أقوياء، وهناك نساء قويات.
وهناك رجال ضعفاء رغم قوتهم الظاهرة، ونساء ضعيفات رغم صلابتهن أمام الناس.
القوة ليست في النوع…
القوة في الشخصية.
والرجل والمرأة ليسا خصمين في هذه الحياة، بل شريكان.
هو يحتاج إليها، وهي تحتاج إليه.
هو له قوته، وهي لها قوتها.
هو قد يكون سندها في موقف، وهي قد تكون السند الذي ينقذه في موقف آخر.
ولهذا فإن أجمل علاقة بين الرجل والمرأة ليست التي يحاول فيها أحدهما إثبات أنه الأقوى…
بل التي يقول فيها كل منهما للآخر:
«أنا قوي بك… وأنتِ/أنتَ أقوى بي.»
فالحياة ليست ساحة معركة بين الرجل والمرأة.
الحياة رحلة… وأجمل الرحلات هي التي يمشي فيها الاثنان جنبًا إلى جنب، لا أحد فوق الآخر، ولا أحد يلغي الآخر، وإنما كل منهما يعرف قدر الآخر وقيمته.
![]()
