سيد الأسيوطي يكتب.. دائمًا البداية من مكة المكرمة

حين نبحث عن البدايات الكبرى في تاريخ هذه الأمة، فإن الطريق يقودنا دائما إلى مكة المكرمة ذلك الوادي الذي ارتبط منذ العصور القديمة بقصة البيت الحرام، وسيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل وزوجته هاجر المصرية عليهم السلام، ثم أصبح بعد ذلك مهد خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبدالله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.

فمكة ليست مجرد مدينة في صفحات التاريخ، وليست مجرد مكان مقدس يقصده المسلمون في صلاتهم وحجهم؛ إنما هي مدينة ارتبط اسمها بالتوحيد، وبالبيت العتيق، وبقصة أم عظيمة وهي السيدة هاجر المصرية عليها السلام، التي تركها زوجها سيدنا إبراهيم عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع ومعها رضيعها سيدنا إسماعيل عليه السلام
وكانت بداية قصة من أعظم قصص الإيمان والصبر والتوكل على الله في التاريخ.

فحين نفد الماء، أخذت هاجر تبحث عن النجدة، فسعت بين الصفا والمروة، سبعة أشواط، حتى جاء الفرج من عند المولى عز وجل، وفاض ماء زمزم. ومنذ ذلك اليوم أصبحت الصفا والمروة و بئر زمزم جزءآ خالدا من ذاكرة المسلمين الأوائل وشعائرهم، وبقيت مكة تحمل في أرضها آثار قصة أم آمنت بربها، فكان إيمانها درسا للبشرية كلها.

ومرت السنوات، وتعاقبت الأجيال، وبقيت مكة حاضرة في التاريخ حتى جاء عام الفيل، ذلك العام الذي أراد فيه الطاغية أبرهة الحبشي أن يهدم بيت الله الحرام بجيشه الجرار،
فجاءت المعجزة من الله العلي القدير.

﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾

فكان ذلك شاهدا على أن قدرة الله فوق كل قوي.
وقد خلد القرآن الكريم هذا الحدث في سورة كاملة، هي سورة الفيل. لتظل قصة أصحاب الفيل من أهم الشواهد على أن للبيت ربآ يحميه.
ثم كانت أعظم بداية عرفتها مكة على الإطلاق؛ فلقد وُلد فيها خير البشر وأعظم الخلق محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين، ونشأ في أحيائها وبين أهلها، وعاش طفولته وشبابه ورجولته الأولى في ربوعها، حتى نزل عليه الوحي، وبدأت منها رسالة الإسلام السمح التي خرج نورها من مكة ليصل إلى مشارق الأرض ومغاربها.
وفي مكة عاش النبي صلى الله عليه وسلم سنوات طويلة من عمره، وفيها واجه أشد ألوان الأذى، ومنها بدأ طريق الدعوة، وخرج منها مهاجرا بعد أن اشتد عليه أذى قومه.

ولكن النبي الأعظم والرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم،
وهو يغادر مكة، لم يخرج منها وقلبه خالي من الحب والحنين، بل ترك لنا واحدة من أعظم وأبلغ الكلمات التي تؤكد أن حب الوطن فطرة أصيلة لا تتعارض مع ثوابت الدين الإسلامي.
حينما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطبآ مكة المباركة.
«والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت»

وهو حديث صحيح، رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وفيه من المعاني ما يكفي للرد على كل من يتصور أن حب الإنسان لوطنه يتعارض مع ثوابت الدين الاسلامي السمح العظيم،
لقد أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وأحب أرضها، وتألم لفراقها، لكنه لم يجعل حب الوطن حاجزآ أمام أداء رسالته، بل حمل رسالته وهاجر بأمر الله، ليبدأ فصل جديد من أعظم فصول التاريخ في المدينة المنورة.
وهنا نصل إلى المدينة؛ تلك المدينة التي فتحت أبوابها للنبي صلى الله عليه وسلم وللمهاجرين، واستقبل أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه بالفرحة والحب والنصرة والإيمان.
وكان أهل المدينة، وهم الأنصار، نموذجآ فريدآ ومشرفآ في الكرم والإيثار. لم يقولوا للمهاجرين: أنتم غرباء، بل فتحوا لهم البيوت والقلوب، وتقاسموا معهم المال والمسكن والثمار وغيرها.
وقد سجل القرآن الكريم هذه المواقف العظيمة.
فقال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

وهذه الآية تصف الأنصار وصفا عظيماً وخالدا، وتجسد أسمى معاني الحب والصدق والإيثار والكرم ونقاء النفس.
وقد جاءت السنة النبوية بقصص عملية تؤكد ذلك، ومنها قصة الرجل الأنصاري الذي استضاف ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنه لم يكن يملك إلا قوت أطفاله، فآثر ضيفه على نفسه وأهله، فنزلت الآية الكريمة.
وهكذا أصبحت مكة في السيرة النبوية رمزآ للحب والانتماء، وأصبحت المدينة رمزآ للنصرة والعطاء والإيثار.

مكة هي المكان الذي وُلد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشأ فيها ونزل عليه الوحي في ” غار حراء”، ومنها انطلقت دعوته الأولى،
والمدينة هي الأرض التي احتضنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إليها، ومنها قامت الدولة الإسلامية الأولى، ومنها انتشر نور الرسالة إلى العالم أجمعين،

ولذلك فإن الحديث عن مكة والمدينة ليس حديثًا عن مدينتين فقط، وإنما هو حديث عن ذاكرة أمة، وعن تاريخ عظيم أضاء الدنيا كلها،

وفي هذه المناسبة العطرة ذكرى المولد النبوي الشريف، نستعيد سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الجميل أن نتذكر أن أعظم رسالة عرفتها البشرية بدأت من مكة، وأن صاحب هذه الرسالة نفسه كان يحب وطنه بل يعشقه ويحن إليه، وأن الذين استقبلوه في المدينة قدموا للعالم نموذجآ خالدا في الكرم والإيثار ونقاء النفس،

ويمكن القول، بكل فخر واعتزاز ومحبة، إن في تراث أهل مكة والمدينة إرثآ اجتماعيآ وثقافيآ عريقآ من قيم المحبة الصادقة والضيافة والكرم ونصرة الحق، وهي قيم عظيمة رسختها السيرة النبوية وأخلاق أجدادهم من عظماء الصحابة والتابعين.
وإذا كانت مكة قد أعطت البشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن المدينة أعطت البشرية نموذجآ فريداً في النصرة والإيثار وصفاء النفس.
ومن هنا تبقى الحقيقة التي تستحق أن نتذكرها دائما في كل ذكرى أو مناسبة دينية عطره ومنها المولد النبوي الشريف:

..دائماً كانت البداية من مكة المكرمة..

فمن مكة بدأت قصة إبراهيم وإسماعيل وهاجر، ومن مكة ارتبطت القلوب بزمزم والصفا والمروة، ومن مكة جاء عام الفيل، ومن مكة وُلد محمد صلى الله عليه وسلم، ومن مكة انطلقت الرسالة، ومن مكة خرج النبي مهاجرآ وقلبه متعلق بوطنه الذي يحبه ويحن إليه.
ثم كانت المدينة دار النصرة، ودار الدولة، ودار الصحابة، ومنها اكتمل بناء المجتمع الذي حمل رسالة الإسلام إلى العالم.

وفي ذكرى مولد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، لا يسعنا إلا أن نقول:
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذي أحب مكة فأحببناها، وأحب المدينة فأحببناها، وحمل رسالة الرحمة إلى العالمين فاحببنا الإنسانية جمعاء.
وكل عام والأمة العربية و الإسلامية بخير وسعادة وسلام وأمان.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني