سيد الأسيوطي يكتب..
ردًا على لصوص الحضارة (2)
من بنى الأهرامات؟ الحقيقة بين عهد نبي الله إدريس وعصر الأسرات
بعد أن ناقشنا في المقال السابق، وقدمنا عدداً من الأدلة والشواهد التي تؤكد محاولات سرقة الحضارة المصرية من بعض «الغجر» عملاء الصهيونية والماسونية العالمية وعلي رأسهم جماعات «الأفروسنتريك»، والتي تستند إلى الخرافات والشائعات والترويج الزائف دون أي أسانيد علمية أو أدلة أثرية، يبقى هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: متى بُنيت الأهرامات والمعابد الكبرى الشاهقة؟ ومن هم المصريون الذين شيدوها؟
في البداية، أنا لا أزعم أنني أملك الحقيقة المطلقة، ولا أدعي أنني أقدم اكتشافًا علميًا جديدًا أو حقيقة علمية نهائية، وإنما أطرح فرضية تستحق البحث والمراجعة والنقاش من السادة الأفاضل أهل العلم والتخصص، مستندًا في ذلك إلى بعض النصوص الدينية، وما ورد في بعض كتب التراث، وبعض آراء الباحثين والمتخصصين الذين تناولوا بدايات الحضارة الإنسانية.
فلقد أخبرنا الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن الله عز وجل خلق آدم عليه السلام بطول ستين ذراعًا، أي ما يعادل نحو أربعين مترًا تقريبًا.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة… فما زال الخلق ينقص حتى الآن». (رواه البخاري ومسلم).
وهو ما يدل على أن الإنسان الأول كان يتمتع ببنية كبيرة وقوية تختلف كثيرًا عن الإنسان في عصرنا الحالي، كما أخبرنا الحديث الشريف أن الخلق ما زالوا يتناقصون في الطول منذ ذلك الحين إلى أن أصبح الإنسان كما نراه اليوم.
وإذا كانت الأجيال الأولى أقوى بنية وأعظم قدرة مما نحن عليه اليوم، فإن الأعمال التي تبدو لنا اليوم معجزة هندسية ومعمارية وفلكية قد تكون بالنسبة إليهم ممكنة وشيئًا عاديًا وطبيعيًا، خاصة إذا اقترنت بما وهبه الله من حكمة وعلم وخبرة لنبي الله إدريس عليه السلام، الذي وصفه القرآن الكريم بقوله تعالى:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۖ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (سورة مريم: 56-57).
واشتهر نبي الله إدريس عليه السلام في كتب التراث بأنه من أوائل من علَّموا الناس الكتابة والحساب والهندسة وعلوم الفلك وبعض الصناعات والعلوم الأخرى، وأنه كان نبيًا اصطفاه الله بالعلم والحكمة، وله مكانة ومنزلة رفيعة، وورد أيضا في التراث أنه كان يتواصل مع السماء من خلال ملائكة كرام وكان معه سر الاسرار ” اسم الله الأعظم” الذي إذا دعا به أجاب في الحال.
وفي سفر التكوين (5: 21-24): “وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه.”
كما أن هناك كتابآ اسمه «أخنوخ»، وهو من الكتب اليهودية القديمة، ويُنسب فيه إلى «أخنوخ» علوم كثيرة تتعلق بالنجوم والفلك والأزمنة، لكن هذا الكتاب لا يُعد دليلآ تاريخياً أو دينياً قاطعاً أو ملزماً لما نطرحه في هذا المقال، وإنما يُعد إحدى الشواهد.
ومن هنا تبرز أسئلة مهمة ومشروعة: هل يمكن أن تكون بدايات الحضارة المصرية الكبرى قد ارتبطت بعهد إدريس عليه السلام؟ وهل يمكن أن يكون المصريون الأوائل قد شيدوا المدن والمعابد والأهرامات في ذلك العصر، ثم توارثت الأجيال جيلا بعد جيل علومهم ومعارفهم حتى وصلت إلى عصر الأسرات وما تلاه؟ خاصة مع استمرار الجدل حول بعض الجوانب المتعلقة بالأهرامات، سواء فيما يخص طرق بنائها أو بعض الوظائف التي أُنشئت من أجلها، مثال أنها مراكز للطاقة والعلوم الفيزيائية والفلكية، إلى جانب الرأي الأثري السائد الذي يرى أنها مقابر جنائزية ملكية.
ومن الغريب أن هناك فرضيات عديدة طرحت عبر العقود السابقة حول من هم بناة الأهرامات، فقيل إنهم قوم عاد أو العماليق، ومرة كائنات فضائية، و مرات إلى شعوب مختلفة، بينما ظل الحديث عن المصريين الأوائل، وما وهبهم الله من قوة وبنية جسمانية كبيرة وعلم وخبرة في فجر الحضارة، من أقل الآراء تداولآ واهتمامآ لدى الباحثين والمتخصصين وحتى المثقفين والإعلاميين.
إن مصر العظيمة صاحبة الحضارة والتاريخ العريق تستحق مشروعاً قومياً علمياً،،، تتشارك فيه كافة أجهزة الدولة مع الجامعات ومراكز البحوث وعلماء الآثار والتاريخ والدين الإسلامي والمسيحي معآ والمثقفون في كافة المجالات، لكشف المزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة العريقة، وتوثيقها ونشرها بكل لغات العالم، حتى يُغلق الباب أمام كل من يحاول السطو على حضارة وتاريخ الأمة المصرية أو يحاول تزويرها أو نسبتها إلى غير المصريين دون سند علمي أو دليل أثري.
فالحضارة المصرية ليست ملكاً للمصريين وحدهم، بل هي جزء أصيل من التراث الإنساني، غير أن مسؤولية الدفاع عنها، والبحث في أسرارها، وإبراز حقيقتها وسر وعظمتها، تقع أولاً على عاتق المصريين أنفسهم، لأنهم هم وحدهم أصحاب الحضارة و التاريخ وعليهم الحفاظ على هويتهم، وجذور انتمائهم التي لا يجوز التفريط فيها أو تركها للتزييف والنهب والادعاءات الباطلة.
خاصة أن الغالبية من علماء الآثار رجحوا أن ما يقرب من 70% من آثار الحضارة المصرية لا يزال مدفونًا تحت الرمال ولم يُكتشف بعد، وهي رؤية تعكس حجم الأسرار الخفية في باطن الأرض المصرية التي إذا تم اكتشافها فقد تغيّر كثيراً من الآراء والتصورات التاريخية، وهذا يؤكد أن باب الإجتهاد والبحث والاكتشاف لا يزال مفتوحاً أمام الجميع.
وفي النهاية .. إنني لا أطرح هذه الأسئلة والفرضيات باعتبارها حقيقة تاريخية نهائية، وإنما باعتبارها فرضية تستحق البحث والدراسة والمراجعة، خاصة بعد تصاعد الحملات الممنهجة التي تثير الضحك والسخرية، والتي يقودها بعض الغجر عديمي الهوية والتاريخ، ممن يزعمون أن أجدادهم هم الذين شيدوا الأهرامات والمعابد، وأنهم أصل الحضارة المصرية القديمة، في مشهد عبثي خطير، والأخطر منه صمت البعض ممن يطلقون على أنفسهم أنهم حراس الحضارة المصرية تجاه هذه الادعاءات الكاذبة دون رد حاسم ورادع.
حفظ الله الوطن، وتحيا مصر دائمًا وأبدًا رغم أنف المفسدين والمتربصين والحاقدين أعداء الأمة المصرية.
وفي المقال القادم سنناقش قضية أخرى لا تقل إثارة: هل كانت الأهرامات مجرد مقابر ملكية، أم أنها أدت وظائف أخرى ما زالت محل جدل بين الباحثين؟ وسنعرض الأدلة والآراء المختلفة، تاركين للقارئ حرية التفكير والحكم.
![]()
