بقلم / بسيوني أبوزيد
لم تعد الفجوة بين المواطن والحكومة مجرد مسافة يمكن تجاوزها ببعض التصريحات أو المؤتمرات الصحفية، وإنما أصبحت فجوة ثقة تتسع يومًا بعد يوم، بعدما شعر المواطن أن صوته لا يصل، وأن مشكلاته لا تجد من يسمعها، وأن الأزمات تتكرر بينما الحلول الحقيقية غائبة.
المواطن لا يطلب المستحيل؛ يريد أن يعيش حياة كريمة، وأن يجد خدمة محترمة، وسعرًا يستطيع تحمله، وفرصة عمل تحفظ كرامته، وتعليمًا جيدًا لأبنائه، ورعاية صحية حقيقية، وقانونًا يطبق على الجميع دون استثناء.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أن الحكومة أصبحت تتحدث بلغة مختلفة عن واقعه اليومي؛ فبينما يسمع المواطن عن الخطط والإنجازات، يواجه هو في الشارع ارتفاع الأسعار، وصعوبة المعيشة، وتراجع بعض الخدمات، وتعقيدات الإجراءات، ومشكلات لا تنتهي.
وهنا لا تصبح المشكلة مشكلة أسعار أو خدمات فقط، وإنما تتحول إلى أزمة ثقة.
وأي حكومة تفقد ثقة مواطنيها تواجه أخطر أزمة يمكن أن تواجهها سلطة تنفيذية؛ لأن الحكم في النهاية ليس مجرد مكاتب وقرارات، وإنما مسؤولية أمام الناس.
نحن لا نريد حكومة تبرر الأزمات، بل حكومة تواجهها. ولا نريد مسؤولًا يخبر المواطن بأن الأمور بخير، بينما المواطن نفسه يعيش عكس ذلك كل يوم.
إن الاعتراف بالمشكلة ليس ضعفًا، بل بداية الحل. أما تجاهلها أو التقليل من حجمها، فهو ما يجعل الأزمة أكثر خطورة.
لقد أصبح من الضروري أن تسأل الحكومة نفسها سؤالًا صريحًا:
هل نجحنا فعلًا في إقناع المواطن بأننا نشعر بمعاناته ونمتلك القدرة على حلها؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فلتخرج الحكومة إلى الناس بالحقائق والحلول، ولتفتح أبوابها للنقد والمساءلة.
أما إذا كانت الإجابة لا، وإذا أصبحت الحكومة عاجزة عن تقديم حلول حقيقية لمشكلات المواطنين، فعليها أن تتحمل مسؤوليتها السياسية والأخلاقية.
الحكومات لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على تغيير حياة الناس إلى الأفضل.
ومن هنا فإن المطالبة برحيل حكومة عاجزة عن أداء واجبها ليست دعوة للفوضى، وليست عداءً للدولة، وإنما هي تعبير سياسي عن حق أصيل في المحاسبة والمساءلة.
فالدولة باقية، والشعب باقٍ، أما الحكومات فهي مؤقتة، تأتي لتخدم الناس، فإذا عجزت عن أداء مهمتها فعليها أن تفسح الطريق أمام من يستطيع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المواطن من شريك في الوطن إلى خصم للحكومة، وأن تتحول الحكومة من خادمة لمصالح الناس إلى طرف يدافع عن سياساته فقط.
وعندما تنقطع لغة الحوار، وتتراجع الثقة، وتتراكم الأزمات، يصبح التغيير ضرورة قبل أن تتحول الفجوة بين المواطن والحكومة إلى أزمة يصعب علاجها.
لذلك نقولها بوضوح:
نريد حكومة تسمع المواطن قبل أن تتحدث باسمه، وتشعر بمعاناته قبل أن تضع الخطط، وتحاسب المقصر قبل أن تطلب من المواطن الصبر.
وإذا عجزت الحكومة عن ذلك، ولم تعد تملك القدرة أو الرؤية أو الأدوات اللازمة لحل مشكلات الناس، فإن الرحيل ليس هروبًا من المسؤولية… بل قد يكون عين المسؤولية.
فالمواطن صبر كثيرًا، وتحمل كثيرًا، ومن حقه الآن أن يرى نتائج حقيقية، لا مجرد وعود جديدة.
فالناس لا تريد أن تسمع أن المستقبل سيكون أفضل… الناس تريد أن ترى هذا المستقبل في حياتها اليوم.
بقلم / بسيوني أبوزيد
![]()
