في السياسات الدولية المتغيرة النوايا الطيبة لا تكفي، ولا تدار الدول بالعواطف ولا بالشعارات الدينية والقومية الرنانة وحدها؛ فالمصالح تتغير، والتحالفات تتبدل، وقد تنسى أو تتناسى بعض الأطراف ما قدمته لها مصر من تضحيات ومواقف تاريخية بمجرد تغير حساباتها السياسية.
فمنذ عهد محمد علي باشا، مروراً بالتدخل المصري في اليمن ودعم حركات التحرر الوطني في عدد من الدول العربية والإفريقية، للتخلص من الإحتلال المذل، خلال ستينيات القرن الماضي، وصولاً إلى صراعات المنطقة الحديثة، تحملت مصر أعباء بشرية واقتصادية وعسكرية كبيرة، انطلاقاً من دورها التاريخي ومسؤولياتها القومية والإقليمية ودفاعا عن المصالح الوطنية المشتركة،
والأخطر أن أعباء مصر لا تتوقف عند السياسة والحروب العسكرية فقط، بل تمتد إلى استضافة ملايين الأجانب من الدول العربية والإفريقية، من الضيوف والمهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء الذين فروا من ويلات الحروب والنزاعات المدمرة بسبب التدخلات الخارجية وتصفية الحسابات بين بعض الأنظمة.
ومصر التي فتحت أبوابها للفارين من الخوف والدمار منذ عشرات السنين، مازالت تتحمل أعباء إضافية في السكن والتعليم والصحة والخدمات والبنية الأساسية، بينما تعاني هي نفسها ضغوطاً اقتصادية واحتياجات تنموية كبيرة وصلت إلى حد الاستدانة،
فلماذا تتحمل الدولة المصرية المسؤولية ويتحمل الشعب المصري وحده فاتورة الحروب الأهلية والصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية، وحروب المصالح وتصفية الحسابات التي تتداخل فيها أطراف إقليمية ودولية كثيرة،
بينما لا يلتزم المجتمع الدولي دائماً بتقديم المستوى المطلوب من الدعم لتخفيف الضغط والأعباء علي الشعب المصري العظيم الذي تحمل الأعباء الاقتصادية وحده نيابة عن العالم أجمع،
إن من حق مصر أن تطالب بتقسيم عادل للمسؤولية والأعباء، بدعم دولي مستدام يضمن عودة اللاجئين الذين إستقرت دولهم وأصبحت آمنة ومساندة حقيقية للمجتمع المصري المستضيف، وأن يتم طرح تخفيف الديون أو إعادة هيكلتها ضمن اتفاقات دولية عادلة تعكس ما تتحمله مصر من أعباء إقليمية وإنسانية.
ومع أن تخفيف الديون أو إسقاطها ليس حقآ قانونيآ ملزمآ. لكنه مطلب سياسي واقتصادي مشروع يستحق الطرح والتفاوض الجاد بشأنه.
فليس من العدل أو الحكمة أن تتحمل مصر وحدها أعباء استضافة ملايين الأجانب المقيمين على أرضها، في وقت تعاني فيه ضغوطًا اقتصادية واحتياجات تنموية كبيرة. وقد سبق أن أعلن دولة رئيس الوزراء المصري، في أبريل ٢٠٢٤، أن تكلفة استضافة ملايين الأجانب المقيمين في مصر تتجاوز عشرة مليارات دولار سنوياً، وهو ما يطرح ضرورة تعزيز الدعم الدولي وتقاسم الأعباء بصورة أكثر عدلآ، بما يحفظ حقوق المجتمع المصري المستضيف ويضمن توفير الحماية الإنسانية للضيوف واللاجئين،
ورغم كل هذه التضحيات أصبحت الودائع والمساعدات المالية العربية والدولية المقدمة للاقتصاد المصري تتحول بدل الشكر والتقدير والثناء إلى مادة للسب والتهكم عبر بعض الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي، أو إلى وسيلة للضغط اوالإهانة.
نعم من حق الدول مراجعة مصالحها واتفاقاتها، ولكن ليس من المقبول أن يتم استخدام المال للانتقاص من كرامة الشعوب،
وللاسف الشديد ما حدث أكثر من مرة وما زال يحدث في محيطنا العربي من غدر ما يطلق عليهم أشقاء من أجل المصالح الشخصية ليس عنا ببعيد،
في ليبيا والسودان وملفات مياه النيل وشرق المتوسط. اتفاقات تعقد وأموال تصرف بسخاء وأسلحة تقدم لميليشيات إجرامية ودعم لأطراف معادية ومهدده للأمن القومي المصري، كل هذا ومازالت الدولة المصرية الكبيرة القوية العظيمة تتعامل بحكمة ودبلوماسية وشرف في زمن عز فيه الشرف،
وبعد كل هذا تظهر علينا بعض الأصوات التي تجهل ما يحدث أو تتجاهل عن عمد مواقف الدولة المصرية وتضحياتها عبر الشاشات ومواقع التواصل الإجتماعي،،
ويتساءلون بتهكم ..« اين مصر» واين «الجيش المصري» مما يحدث في المنطقة،
ونحن نرد عليهم بكل عقلانية وإحترام رغم تحاوزهم غير المبرر وغير المسؤول،،
هل تعلمون ،، ايها السادة ،، كم قدمت الدولة المصرية العريقة عبر تاريخها القديم والحديث من تضحيات إقتصادية وعسكرية من أجل استقرار الأمة.
هل تعلمون ،، كم قدمت من شهداء عبر تاريخها في المعارك العسكرية مع العدو الخارجي والأمنية الداخلية مع البؤر الإرهابية والاجرامية المدعومة من الخارج،
هل تعلمون ،، كم تكلفت الدولة المصرية مالياً من أجل بناء قدراتها العسكرية والأمنية الحديثة،
هل تعلمون ،، كم تتكلف حالة الطوارئ أو تحريك القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية سواء في داخل البلاد أو خارجها،
هل تعلمون ،، كم ضحى الشعب المصري العظيم وكم تحمل من أعباء وصعاب وأزمات وتحديات من أجل مصلحة وطنه والحفاظ علي قدرات مؤسساته الوطنية العريقة،
وكم ،، وكم ،، من المواقف السياسية والدبلوماسية وغيرها من المواقف التي لا تعد ولا تحصى،
لذلك فإن من الضرورة مراجعة دقيقة للعلاقات والتحالفات، فالمصالح لا يتم حمايتها بالعاطفة والدبلوماسية المرنة والشعارات القومية الزائفة وحدها،
إن المطلوب من مصر ليس التخلي عن أشقائها وعن دورها العربي والإقليمي، ولا الدخول في خصومات مفتوحة مع أي دولة، وإنما إعادة الحسابات وفق أولويات أمنها القومي، وقوة اقتصادها، وحقوق شعبها الذي تحمل الكثير والكثير من أجل القضايا العربية والإقليمية، وتكون هناك شراكات واضحة تقوم على تبادل المصالح والاحترام المتبادل،
فمصر ليست مسؤولة وحدها عن أخطاء الآخرين، ولا ينبغي أن تتحمل وحدها فاتورة صراعات لم تصنعها. ومن حقها أيضاً أن تطالب بكل صراحة ووضوح شركاءها والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتهم، وأن تجعل تخفيف ديونها وزيادة الدعم المقدم إليها مطلب رئيسي من خلال المفاوضات الجادة مع المنظمات الدولية المعنية بالأمر،
وأقولها بوضوح: ليس خطأ أن تحسن مصر إلى أشقائها وأن تتعامل معهم بحكمة ودبلوماسية وإنسانية.
بل الخطأ أن يستمر العطاء بلا حدود او بلا حساب، وأن تترك مصالحها رهينة لحسن الظن وتقدير الآخرين.
وعلى مصر أن تجعل المصلحة الوطنية الشاملة أولوية، وأن تضع مصالح شعبها فوق كل اعتبار،
والتعاون والعمل المشترك مع الأشقاء مرحب به ما دام قائمآ على الاحترام والمصالح المتبادلة.
وفي النهاية،، العاطفة السياسية في بعض الأحيان قد تكون قاتلة، والدبلوماسية المرنة لابد أن يكون لها حدود، والتسامح وتقدير مواقف الآخرين لا يعني قبول التهكم والإهانة.
فمصر العظيمة صاحبة الحضارة والتاريخ العظيم، التي تحملت الكثير والكثير منذ قرون ومازالت مستمرة في تحمل الأعباء والتضحيات بحكمة و شرف وصبر سياسي دبلوماسي كبير،
ولكن انما للصبر وللدبلوماسية والحكمة حدود، عاشت مصر قوية عظيمة بوحدة ووعي شعبها العظيم ومؤسساتها الوطنية العريقة،
حفظ الله الوطن وتحيا مصر بوحدتها دائماً وأبدأ رغم أنف المفسدين والحاقدين والمتربصين أعداء الأمة والإنسانية،
![]()
